نيجيرفان بارزاني… الحسم القادم بثقة القائد وهدوء المنتصر

د. ابراهيم احمد سمو

في واحدة من أكثر المقابلات انتظاراً على الساحة الكوردستانية، أطلّ رئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني في لقاء جديد جمعه مع الصحفي البارز هيفيدار احمد عبر شاشة فضائية رووداو.
اللقاء جاء في توقيتٍ بالغ الحساسية، قبل ساعات فقط من انتهاء الحملة الانتخابية، وسط أجواء مشحونة بالتنافس، وهدوءٍ يسبق العاصفة السياسية الكبرى التي ستشهدها كوردستان يوم 11/11، اليوم الموعود الذي ينتظره الجميع كموعدٍ للحسم ولتجديد الشرعية عبر صناديق الاقتراع.

هيفيدار وجرأة السؤال… وهدوء الرئيس وثقة المنتصر

منذ الدقائق الأولى للمقابلة، بدا واضحاً الانسجام بين الصحفي الجريء هيفيدار، المعروف بقدرته على طرح الأسئلة الصعبة، وبين الرئيس نيجيرفان بارزاني الذي واجه الأسئلة بثقة نادرة وهدوءٍ لافت.
هيفيدار لم يتردد في الدخول إلى عمق الملفات الحساسة: العلاقة بين أربيل وبغداد، مستقبل التحالفات، واقع العملية الانتخابية، وموقع الإقليم في المعادلات الإقليمية والدولية.
لكن اللافت أن الرئيس أجاب على جميع الأسئلة بواقعيةٍ مدهشة ودبلوماسيةٍ متزنة، دون أي توتر أو محاولة للتهرب. كان يتحدث كرئيس الاقليم يعرف ما يقول، ويقود حواره كما يقود الميدان السياسي: بذكاء، وحكمة، وثقة كاملة بالنفس.

طلّة الزعيم… وحضورٌ يليق بالمقام

ظهر رئيس الإقليم بحلّةٍ أنيقة وتنسيقٍ لافت بين الألوان، في مشهدٍ عكس شخصيته الواثقة والمتوازنة.
في استقباله للصحفي هيفيدار، فتح الباب بنفسه، ومشى بخطواتٍ هادئة وسط حديقةٍ غنّاء تحيط بها الورود من كل جانب.
كانت الصورة أقرب إلى مشهدٍ رمزيٍّ يختزل شخصية الرجل: هدوء في المظهر، وعاصفة فكرية في المضمون.
هيفيدار، رغم جرأته المعتادة، بدا متأثراً بكاريزما الرئيس، فحافظ على توازنه بين الحياد المهني والاحترام العميق الذي تفرضه هيبة رئيس الاقليم.

ما بين الحرب السياسية والحسم الديمقراطي

اللقاء لم يكن عادياً؛ فالإقليم يقف على أعتاب معركة انتخابية تعدّ الأهم منذ سنوات.
“المليون صوت” — كما سماها نێجيرفان بارزاني — ليست مجرد رقمٍ انتخابي، بل رمزٌ للثقة الشعبية التي يسعى لترجمتها إلى واقعٍ ديمقراطي متجدد.
وفي حديثه، أكد أن الحسم القادم لن يكون حرباً سياسية، بل منازلة حضارية داخل صناديق الاقتراع، وأن المقاتلين الحقيقيين اليوم هم المواطنون الذين يختارون مستقبلهم بأصواتهم.
رسالة الرئيس كانت واضحة: “كل صوتٍ يعني مستقبل كوردستان، فلا تتركوا صوتكم في البيوت.”

من الشرعية الثورية إلى الشرعية المدنية

من أبرز النقاط التي توقف عندها اللقاء، حديث الرئيس عن التحول التاريخي الذي قاده الزعيم مسعود بارزاني — المرشد والرمز الأعلى لكوردستان كما وصفه نيجيرفان — حين قرر نقل الإقليم من مرحلة الشرعية الثورية إلى الشرعية المدنية عبر صناديق الاقتراع.
هذا القرار، كما قال الرئيس، لم يكن مجرد انتقال في الشكل، بل تحوّل في فلسفة الحكم والإدارة، إذ أصبحت الشرعية تُمنح من الشعب مباشرة، لا من البندقية أو النضال المسلح.
وأوضح أن ما تحقق من إعمارٍ واستقرارٍ ومؤسسات هو ثمرة هذا التحول، وأن الإقليم اليوم يقف على أرضٍ صلبة بفضل ذلك القرار التاريخي.

العمق الكوردستاني… بغداد

في لحظةٍ تأملية من اللقاء، تطرق نيجيرفان بارزاني إلى واحدة من أكثر القضايا حساسيةً: العلاقة بين أربيل وبغداد.
قال بوضوح إن “العمق الكوردستاني هو بغداد”، في عبارةٍ عكست إدراكه العميق لواقع الجغرافيا والسياسة، وإيمانه بأن الشراكة الحقيقية لا يمكن أن تقوم إلا على أساس الدستور والتفاهم المتبادل.
وأكد أن العلاقة مع بغداد ليست علاقة تبعية أو صراع، بل شراكة استراتيجية تقوم على الدستور والاحترام المتبادل، مشيراً إلى أن استقرار العراق يعني استقرار كوردستان والعكس صحيح.

الزعيم المكوكي… بين السر والعلن

هيفيدار لم يغب عنه أن يسأل عن التحركات الدبلوماسية المتكررة للرئيس، الذي يوصف بـ“الرجل المكوكي”، لكثرة تنقلاته بين العواصم الإقليمية والدولية.
أجاب الرئيس بابتسامةٍ هادئة أن تلك الزيارات و اللقاءات — تأتي دائماً لخدمة المصلحة العامة لكوردستان والعراق معاً، وأنها تهدف إلى تعزيز الاستقرار السياسي والاقتصادي في المنطقة.
وأشار إلى أن كلمته تُسمع وتحظى بالاحترام في العواصم كافة،طبعاً بفضل عقليته المتزنة، وصبره، وقدرته على بناء الجسور بين المختلفين.

رؤية ما بعد الانتخابات… نحو الاستقرار والأمن

حين سُئل عن مستقبل العلاقة بين القوى الكوردية الداخلية، أجاب بواقعيةٍ ومسؤوليةٍ قائلاً:
“الخلافات قد تكون طبيعية في أي نظامٍ ديمقراطي، لكن الأهم أن تبقى في حدود السياسة لا القطيعة. فمصلحة كوردستان فوق الجميع.”
وأكد أن ما بعد الانتخابات سيكون مرحلة جديدة من الحوار والشراكة الداخلية، وأن الحكومة القادمة ستعمل على تعزيز الأمن، وتنشيط الاقتصاد، وتوسيع آفاق الاستثمار.
ورأى أن المؤشرات الاقتصادية تسير نحو الاستقرار التدريجي، بفضل الإجراءات المتخذة لتحسين بيئة العمل وتطوير البنية التحتية.

الشعب أولاً… والانتخابات بوابة المستقبل

ختم الرئيس اللقاء برسالة مباشرة إلى المواطنين، دعاهم فيها إلى المشاركة الفاعلة في الانتخابات قائلاً:
“صوتكم هو قوتكم، وهو مستقبل أبنائكم. كوردستان تستحق أن نحميها بأصواتنا كما حميناهــا بتضحياتنا.”
وأكد أن المليون صوت و اكثر في طريق التحقيق، وأن كل من يذهب إلى صندوق الاقتراع يسهم في بناء مستقبلٍ أكثر استقراراً وعدالةً وازدهاراً للإقليم.

لقاء في وقته… ورسالة أمل للمرحلة القادمة

اختُتم اللقاء وسط انطباعٍ عام بأن ظهور نيجيرفان بارزاني في هذا التوقيت لم يكن صدفة، بل رسالة واثقة من قائد يتهيأ لمعركةٍ ديمقراطية بروح المنتصر.
إطلالته البهية، كلماته المتوازنة، وهدوءه العميق، كانت كلها مؤشرات على أنه مستعدٌّ لكل الأسئلة، ولكل المراحل القادمة.
وبينما يسود الهدوء في الساعات الأخيرة قبل بدء التصويت، تبدو كوردستان مقبلة على يومٍ مفصلي في تاريخها السياسي.
يومٌ سيتوَّج فيه الحوار بالتصويت، والثقة الشعبية بالشرعية المدنية، والمستقبل بالكلمة الحرة.

في النهاية، يمكن القول إن لقاء نيجيرفان بارزاني مع هيفيدار لم يكن مجرد حوارٍ تلفزيوني، بل لحظة سياسية فارقة جسّدت ملامح قائد يعرف متى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى يبتسم ليبعث برسالةٍ أبعد من الكلمات.

قد يعجبك ايضا