د. ابراهيم احمد سمو
ذهبنا صباحًا إلى صناديق الاقتراع، ووقفنا في الصفوف بهدوءٍ يشبه الرجاء، ثم عدنا بعد الظهر ننتظر النتائج، نحمل في داخلنا مزيجًا من الأمل والشك، من الحلم والتعب.
كتبنا أسماءنا، ووضعنا أوراقنا، كأننا نودع جزءًا من ذواتنا هناك، في تلك الصناديق المغلقة، ننتظر أن تُعيد لنا الحقيقة كما نتمناها، لا كما يُراد لها أن تكون.
إنه مشهد عادي في ظاهره، لكنه يحمل في عمقه الكثير من الأسئلة عن القرار، وعن الوعي، وعن ذلك الخط الفاصل بين المشاركة والإيمان، وبين الانتظار والخذلان.
في هدأة الصمت وسكون اللحظة، يقف الزمن على عتبة الغد، ينتظر مولد ما بعد الغد، ثم ما بعد بعده. تتزاحم الأيام كأفواج من الناس، يدخلون ويخرجون، يهاجمون وينسحبون، وكأنهم على مسرح حربٍ لا تُسفك فيها الدماء، بل تُراق فيها الأصوات وتُستنزف فيها الأرواح من على أكتاف من أحبّوا، ومن اختاروا أن يكونوا مع من قرر أن يخوض معركة الحضور، ولو كانت صامتة.
إنها حرب من نوعٍ آخر؛ حرب الهمس لا الصراخ، حرب القرار الهادئ لا الرصاص الصاخب. الجميع في حالة انتظار. ينتظرون النتيجة، ينتظرون الفاتح أو المهزوم، المنتصر أو المنسحب، مع أن لا أحد يخسر هنا سوى من باع صوته للضجيج ونسي أن الصمت في بعض المواقف موقف، وأن الانسحاب في بعض الحروب نصر مؤجل.
ومع طول الانتظار، يتولد السؤال الأبدي: من أنا؟ ومن أنتم؟
من الذي عمل ليكسب هذا وذاك؟ من الذي دخل إلى الدائرة، سلّم على الجميع، ووقف في صف المبايعين، ثم غاب فجأة في ضباب الحياد؟
أهو طيف من طيوف المصلحة العابرة؟ أم أنه الباحث عن يقينٍ في زمنٍ يتقلّب فيه كل شيء؟
لقد صارت المواقف أشبه بمرآةٍ مشروخة، تعكس وجوهاً كثيرة، وتخفي وجهاً واحداً حقيقياً. في زمنٍ كهذا، صار الانسحاب فناً، والصمت بياناً، والانتظار سلاحاً. فالحرب التي نخوضها اليوم لا تحتاج إلى دماء، بل إلى أصواتٍ تُراق من شدة التعب، إلى كلماتٍ تنزف من أفواه المحبين، إلى أعناقٍ تنحني لا خوفاً، بل احتراماً لما تبقّى من كرامةٍ في زمنٍ فقدت فيه المعاني معناها.
إن التصريح الصغير الذي قد يُقال في لحظة، قد يكون إعلاناً للانسحاب من الكل، وعودةً إلى الجزء. عودةً إلى الذات الأولى، النقية، التي لم تلوّثها التحالفات ولا الحسابات.
ربما آن الأوان للعودة إلى المسار الصحيح، إلى التوازن المفقود بين الروح والعقل، بين الرغبة في البقاء والحق في الرحيل، بين الصوت الذي يريد أن يُسمع، والصمت الذي يريد أن يُفهم.
لقد بتنا نعيش في زمنٍ بلا رحمة، بلا شراكة حقيقية، بلا توافق بين القلوب. زمنٍ تتكلم فيه المصالح بصوتٍ أعلى من الضمائر، ويتقدم فيه من يملك لا من يستحق، ويُستبعد فيه الصادق لأنه لا يجيد التمثيل.
لكن وسط هذا الخراب الهادئ، يولد الأمل في العودة إلى الذات، إلى الجزء الذي لم يتلوث بعد، إلى النواة التي منها بدأنا قبل أن يبتلعنا الكلّ ويذيب ملامحنا في زحمة الانتماءات.
الانسحاب ليس ضعفاً، بل إعادة تعريفٍ للاتجاه. “إذا لم تلبِّ بغداد المطالب المتعلقة بالشراكة الحقيقية، فقد تكون هناك لفتة منتظرة و تصريح من القائد الصريح.
هو قرارٌ بالعودة إلى المسار الصحيح، إلى النقطة التي يمكن منها أن نبدأ من جديد دون أن نحمل أوزار الكثرة ولا ضجيج المجموع.
في زمن اللا توازن، يصبح التوازن نفسه تمرداً، وفي زمن اللا شراكة، يصبح الاكتفاء بالذات بطولة.
ووسط كل هذا الضجيج، لا يبقى إلا الهدوء موقفاً، والصمت بياناً، والانتظار إيماناً بأن ما بعد بعد الغد سيحمل الحقيقة، ولو بعد طول انتظار