لطيف دلو
أثناء الحرب العالمية الاولى أحتلت بريطانيا بعد معارك ضارية الولايات العثمانية الثلاث وهي الموصل وبغداد والبصرة وكان لكل منها إستقلاليتها وخاصيتها السياسية والسكانية من القوميات والطوائف والاديان في العهد العثماني، ادمجتها واسست دولة العراق على إطلالاتها بما تنسجم مع مصالحها بنظام ملكي برلماني على شاكلة انظمة الدول الاوروبية متعددة القوميات والاديان اساسا بثقافة العدل والمساواة، ولكن لم يستطع اي حاكم عراقي ان يوحد الشعب ويحقق العدل والمساواة بين مكونات هذه الدولة كما في الانظمة الاوروبية وكلما مر الوقت وتغيرت الحكومات الانقلابية ومن ثم الانتخابية الى اليوم ظهر التباعد والفوارق بين المكونات على حقيقتها اكثر والكل على حد سواء ذاق المرارة من المظلومية والمغدورية وسفك الدماء ونهب اموال وممتلكات مواطنين بسطاء على الهوية القومية او الطائفية او الدينية او حتى على المناطقية في هذه الدولة دون أمن واستقرار .
في بعض المناطق المحصورة نسبيا مرت عليهم حالات صعبة وعصيبة جرى فيها منعهم من قبل السلطات، التكلم بلغتهم او ممارسة طقوسهم القومية او الطائفية بخلاف غيرهم في هذه الدولة التي تأسست بناء على التعددية بسبب التعصب الفكري الموروث من الجهل والتخلف في التباهي بالاستحواذ على السلطة والمال بسفك الدماء دون جهد او عمل يعتبرهما البعض مهانة ولا يتشرف بهما لكونه غائبا عن قيم الحضارة والمدنية كما شخصهم الدكتور علي الوردي في كثير من مؤلفاته بكل صدق وجدية من خلال تناوله اختلاط البداوة بالحضارة على ارض وادي الرافدين .
بسبب لذعة الفواجع التي مرت على العراقيين على التوالي قد أضطر الكثير منهم الى التنقل الى مناطق اخرى واوصلت بعضهم الى الصهر والتغييب عن الاصل والامر منها التغيير الديمغرافي القسري بسبب التعصب الفكري الضيق ، يمكن ملاحظتها ببساطة بين الاحياء السكنية من مظاهر تعدد العادات والتقاليد واللغات واللهجات فيما بينها ولربما تحتاج الى اكثر من مترجم للتفاهم معهم ولكن أثناء الحملات الانتخابية ترى المكونات في لغة واحدة في إعلاناتهم يمكن التعرف على معاناتهم بتعاقب الحكومات على حد سواء بدون مترجم في الظلم والغدر والقتل والتهميش وانتهاك الحقوق والتجاوز على الدساتير والقوانين وممتلكات الدولة وكل يتهم الاخر ويتوعد بتصحيح سياسة الحكم بإحقاق الحق والعدل والمساواة والعيش الرغيد وهوية واحدة للجميع وبعد فوزهم يجتمعون معا على طاولة البرلمان ويقسمون الكعبة فيما بينهم ويتركون معاناة الناخبين وآلامهم والوعود التي ابرموها على انفسهم على الطاولة كسابقيهم منذ الدورة الاولى غاياتهم الثراء بتاكيد ظهور حيتان اغنى من الدولة على حساب قوت الشعب ، والامن والاستقرار من سيء الى أسوأ.
ومن شاكلة المنتخبين لتحقيق امال المواطنين ما سمعنا وشاهدنا على شاشات التلفار منهم قد قال لا يحق للمواطن ان يقيم البرلماني لان الضوابط العسكرية لا تسمح للما دون محاسبة الما فوق وكذلك نائبين سألهما مقدم برنامج عن تشريع قانون لشراء الخدمة من قبل البرلماني ليتمتع بالحقوق التقاعدية بعد انتهاء دورته دون اعلان قرائته على الشعب ، قال الاول للمذيع هل تريدني بعد البرلمان أن أشتغل تكسي والثاني قال خو ما اروح اشتغل معلم، في حين المهنتين هما للسواد الاعظم من الشعب العراقي ، يا ليت يعرف بأن المعلم هو الذي اوصله الى البرلمان وقد قال عنه امير الشعراء احمد شوقي (قم للمعلم وفه التبجيلا ، كاد المعلم ان يكون رسولا) ومن ثم اصبح مستشارا ولا اعلم بماذا كان يستشير ويظهر من كلامهما التعالي لا غير ، واقولها بصراحة تامة وبمرارة العلقم لم اشاهد بعد الملكية الامن والاستقرار وإن كانا نسبيا وليس مطلقا إلا عندما لم يكن البرلمان والانتخابات في العراق وإن كانت هذه الحالة شاذة ولا تنسجم مع طموحات الشعوب المتقدمة.
لم يبق شبر من ارض العراق من زاخو الى الفاو ومن خانقين إلى الرطبة لم يدفن فيه عراقي ام يلون بدمه لأسباب تتعلق بعدم قبول الاخر ليس إلاُ ، وإن الحكومات المنتخبة بعد النظام البائد لم تستطع تأمين طموحات الشعب في الاتحاد وتامين العيش الرغيد للمواطن ونهب ثروات البلاد من قبل الفاسدين ، فبدلا من الجلوس حول طاولة تقسيم كعكة الفوز بالمناصب والامتيازات ومن وراءها توسيع فوهة الخلافات والمنازعات ، فمفتاح الحل الجذري هو ان تجتمع قادة البلاد السياسيين من جميع المكونات حول تلك الطاولة لتقرير مصير البلاد إما دولة بهوية وطنية بشعار العراق اولا او العودة الى الاصل وكل يذهب لحالها وكفى الشعارات باسم الوطنية التي اكل عليها الدهر وشرب وراحت ضحيتها الملايين من اولاد الفقراء وهدر اموال تكفي لإكساء ارض العراق بالذهب.