العدالة في زمن القوة.. رسالة مسعود البارزاني وعلي بن أبي طالب

أحمد زبير باني

في قلب أربيل، حيث تتقاطع شوارع المدينة العتيقة مع صخب الحاضر، وقف مسعود البارزاني، ليس كسياسي فحسب، بل كراعي للقيم والضمير، مخاطبًا شعبه وأطراف العراق كلها. في تلك اللحظة، كان الهواء يثقل بالتوقعات، والعيون تترقب كلمة واحدة قد تحمل معنى أكبر من الانتخابات نفسها. وختم خطابه ببيت شعري خالد لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه:

((لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا
فالظلم مرتعُه يُفضي إلى الندم

تنام عيناك والمظلوم منتبه
يدعو عليك وعين الله لم تنم))

هذه الكلمات، رغم بساطتها الظاهرية، هي أكثر من نص شعري؛ هي خارطة طريق أخلاقية لكل من يمتلك السلطة، لكل من يحمل في يديه مفاتيح القرار. القوة، كما يعلمنا الإمام علي، ليست فقط امتلاك الموقع أو النفوذ، بل اختبار مستمر للضمير والأمانة. والظلم، مهما بدا صغيراً أو مستوراً، يترك أثره في النفوس والمجتمع، مثل حجر يسقط في مياه صافية، فيحدث تموجات لا تنتهي.

اختيار البارزاني لهذا البيت الشعري ليس صدفة؛ فهو رسالة مزدوجة: للأطراف السياسية، لتذكيرهم بأن ممارسة السلطة مسؤولية قبل أن تكون امتيازاً، وللشعب العراقي، ليؤكد أن العدالة هي المقياس الحقيقي لكل إدارة ناجحة. في واقعٍ يختلط فيه الصراع بالطموح، يصبح صوت علي بن أبي طالب بمثابة بوصلة أخلاقية، تُنبه إلى أن الغطرسة قصيرة الأمد، وأن الظلم يولد دوماً الندم.

السياسة، عند النظر إليها من هذا المنظور، تتحول من صراع على المناصب إلى اختبار للقيم والمبادئ. هنا، كل قرار يُتخذ، كل قانون يُسن، وكل حديث يُقال يصبح انعكاسًا لمبادئ العدالة أو خرقًا لها. البيت المأثور يذكرنا أن لكل مظلوم صوت، وأن لكل قوة حدودًا أمام الحق، وأن القوة بلا عدل مثل سفينة بلا بوصلة، تجرفها الرياح إلى المجهول.

حين ننظر إلى كلمات البارزاني من خلال عدسة الإمام علي، ندرك أن القوة ليست أداة للسيطرة، بل وسيلة لنشر الخير، ولإرساء قاعدة العدالة التي لا تهتز. والقرار الذي يتخذه كل فرد أو أمة في استخدام قوته يحدد ليس فقط مستقبل السياسة، بل مستقبل العلاقات الإنسانية والاجتماعية، ومستقبل الأمة نفسها.

في النهاية، هذا البيت الشعري هو أكثر من رسالة؛ إنه انعكاس للضمير الإنساني، تذكير بأن الظلم مهما بدا خفيًا، لا يختفي عن عين الله، وأن استخدام القوة في سبيل الخير هو الطريق الحقيقي لكل أمة تسعى لأن تُكتب تاريخها بالعدالة قبل القوة.

قد يعجبك ايضا