أحمد زبير باني
مقدمة: حين يتحوّل الخطاب السياسي إلى تأمل وجودي
في عالمٍ تتلاشى فيه الكلمات تحت وهج المصالح الضيّقة، قليلٌ من يجد في مقامه السياسي القدرة على استنهاض الكرامة قبل المطالب، والذاكرة قبل الخبز. في اللقاء الأخير للرئيس مسعود بارزاني مع قناة شمس، لم يكن الحوار مجرد تبادل سياسي عابر، بل لحظة انكشاف روحي لوعيٍ جمعي يعيش بين سؤال الوجود وسؤال المصير. لقد كان الحديث رحلة فكرية في عمق الصمود الإنساني حين يُختبر بالعزلة والخذلان والتاريخ نفسه.
صوت من الجبال: الذاكرة تتكلّم
في زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات وتتبخر فيه المعاني، انبعث صوتٌ من الجبال لا يشبه أيًّا سواها. ليس صدى خطاب سياسي يكرر الوعود العابرة، بل نبرة شعوب حية تسائل التاريخ عن جدوى الصبر، وتجيب بوجودها ذاته: لن نركع.
بارزاني في حديثه لم يخاطب جمهورًا، بل خاطب فكرةٍ أزلية اسمها الكرامة.
كأنّه لم يكن يتحدث عن كوردستان وحدها، بل عن الإنسان حين يُحاصر، ثم يصرّ أن يصنع من الحصار وطنًا يحمل ذاكرة كلّ من سبقوه وصوت كل من سيأتي بعدهم.
فلسفة العدل والنار
اللقاء لم يكن حوارًا سياسيًا فحسب، بل مرآة فلسفية لوطنٍ يبحث عن معنى بقائه.
في كل جملة كان سؤال وجودي يتسلّل:
• هل يمكن للهوية أن تبقى حيّة دون أن تحمي نفسها؟
• وهل يمكن للدستور، الذي صنعه الإنسان ليكون عدلًا، أن يتحوّل إلى أداة ظلم؟
حين ينتقد بارزاني المحكمة الاتحادية، فهو لا يهاجم مؤسسة، بل يفضح خطر تحويل العقل إلى تابعٍ للسلطة. هنا يهمس صوت أفلاطون: سقوط المدينة يبدأ عندما يصبح القاضي تابعًا للحاكم لا للحقيقة. الدفاع عن الدستور في مواجهة القصف ليس موقفًا قانونيًا، بل تجسيدٌ وجودي لهيبة الإنسان وكرامته حين تختبر العدالة بالنار.
كوردستان: نص مفتوح على الأبد
كوردستان في كلماته ليست مجرد رقعة على الخريطة، بل سيمفونية حية من الذاكرة والضمير، نص مفتوح على أبدية الصمود الإنساني. حين يتحدث عن الإعمار، لا يعني الإسمنت والمباني، بل الإنسان الذي ظل واقفًا رغم الأنفال والكيماوي والجوع. وعندما يقول: «الإقليم لن يركع»، فهو لا يعلن تحديًا سياسيًا، بل فلسفة كاملة عن الإنسان الكوردي، كائن يقاوم التاريخ ليبقى حيًا في ذاته.
العراق كمرآة للفوضى
في رؤيته للعراق، يتحدث بارزاني بلسان فيلسوف يرى المدينة وقد فقدت بوصلتها الأخلاقية. هو يصف واقعها بـ«الدويلات داخل الدولة»، أي انهيار الفكرة الحديثة عن السيادة، وعودة السياسة إلى ما قبل العقد الاجتماعي؛ حيث القبيلة أقوى من القانون، والولاء أقرب من العدالة. لكن المدهش ليس التشخيص، بل نبرته: هدوء واثق، يختزن تجارب النار دون أن يحترق. في صوته مزج بين المقاتل والحكيم، بين رجل حمل البندقية ورجل أدرك أن الكلمة الصادقة تساوي طلقة في وجه النسيان.
كركوك والذاكرة التي لا تموت
حين قال: «كركوك كوردستانية، والمادة 140 لا تموت بالتقادم»، لم يكن يطالب بأرض، بل يدافع عن ذاكرة. في تلك الجملة جوهر الفلسفة الكوردية: العدالة لا تموت بتغيّر الخرائط، والذاكرة هي آخر حدود الوطن. كركوك، في عين بارزاني، ليست مجرد مدينة تُستعاد، بل رمز للحق الذي يرفض أن يُمحى من وعي الأمة.
الإنسان أولًا: الديمقراطية كوعي أخلاقي
بارزاني يظهر كمن يؤمن بـ«العقل العملي» لا باليوتوبيا. إنه لا ينسج أوهام اليقين المثالي، بل يدعو إلى تحالف راشد بين الممكن والمعايير الأخلاقية العليا، بين الواقع الذي يُعاش والمبدأ الذي لا يُتنازل عنه. الشعوب تولد حين تعرف ما لا يمكنها التنازل عنه. أما الإقليم، فيراه كائنًا جمعيًا تعلم أن الكرامة لا تُساوم، والدستور لا يُركن، وأي طغيان يُقابل بالثبات والصوت الأخلاقي.
كوردستان كضمير إنساني
في حديثه عن التعايش، تتجلى صورة كوردستان كأنها تجربة أخلاقية نادرة في الشرق؛ حيث الدين لا يفرّق، والمذهب لا يقصي، والآخر يُستقبل بكرامة. قصة قرية بديال المسيحية التي اختارت الموت مع البارزانيين ليست مجرد حكاية وفاء، بل أسطورة عن وحدة المصير الإنساني. كوردستان كما يراها بارزاني: وطن للضمير الإنساني في مواجهة الانقسام الديني والعرقي
القيادة كقدر
في ختام اللقاء، حين سُئل عن رسالته للكورد، قال ببساطة:
((ضميرهم هو الحكم)).
تلك الجملة تختصر فلسفة الحكم والسياسة والحرية كلها: الديمقراطية ليست في صناديق الاقتراع، بل في يقظة الضمير الذي لا يُشترى ولا يُخدع. بارزاني يظهر ليس كقائد سياسي فقط، بل كصوت للقدر الأخلاقي لشعبه، حامل الحقيقة حين يصمت الجميع، وثابت في زمن تتقلّب فيه الموازين. القيادة، في جوهرها الإنساني، ليست سلطةً تُمسك، بل حمل الحقيقة كمرشد داخلي وثبات النفس أمام خيانة الزمن والمصير.