ردّ على تصريحات محمد الحلبوسي

مهند محمود شوقي

التصريحات الأخيرة التي أدلى بها رئيس حزب تقدم محمد الحلبوسي لم تمر مرور الكرام، لا في بغداد ولا في أربيل. حين يقول إنه شعر بالأمان في منطقة “متنازع عليها” يسيطر عليها الحشد الشعبي، فإنه لا يعبّر عن شعور شخصي بقدر ما يكشف عن موقف سياسي مضلل، يراد به توجيه رسالة مبطنة ضد إقليم كوردستان، وكأن الأمن يُقاس بوجود الميليشيات لا بوجود القانون والمؤسسات الشرعية.

من المؤسف أن يتحدث مسؤول بهذا المستوى بلغة تستفز شركاء الوطن، وكأنه نسي أن العراق لم يعرف معنى الاستقرار إلا عندما كانت العلاقة بين أربيل وبغداد قائمة على التفاهم والاحترام المتبادل. فالأمن الذي يتفاخر به الحلبوسي في مناطق يسيطر عليها السلاح المنفلت، هو في الحقيقة أمن وهمي، هشّ، مرهون بقرارات خارج حدود الدولة، بينما الأمن في إقليم كوردستان بُني على أساس دستوري ومؤسساتي يحمي المواطن بغض النظر عن انتمائه.

لقد أثبتت كوردستان خلال عقدين من الزمن أنها النموذج الأنجح في إدارة الأمن والتنمية معاً. ففي الوقت الذي غرقت فيه محافظات العراق بالصراعات والفساد والانفلات، حافظ الإقليم على استقراره السياسي والاقتصادي بفضل حكمة قيادته وتجربته المتراكمة. وما لا يدركه الحلبوسي ومن على شاكلته أن الأمن لا يُشترى بالولاءات، بل يُصنع بالإيمان بالشراكة الحقيقية وباحترام الدستور الذي ضمن حقوق جميع المكونات.

كوردستان لم تكن يوماً طرفاً مهدداً لوحدة العراق، بل كانت حجر الأساس في بناء الدولة الاتحادية. أما أولئك الذين يبدّلون مواقفهم وفق مصالح آنية ويستخدمون لغة الاستفزاز بدل الحوار، فهم من أسهموا في تمزيق الثقة بين مكونات البلد. ومن المؤلم أن يُختزل الخطاب السياسي في مثل هذه التصريحات الشعبوية التي تفتقر إلى الحكمة والمسؤولية.

إن من يريد أن يتحدث عن الأمن، فليتحدث أولاً عن كرامة المواطن وحقه في العيش بحرية. فالإقليم لم يكن يوماً بحاجة إلى وصاية من أحد، بل كان نموذجاً لاحترام الإنسان وحماية أرضه. أما الحلبوسي، فعليه أن يتذكر أن الزعامة لا تُقاس بعدد المقاعد ولا بالمناصب المؤقتة، بل بالمواقف التي تُحترم في الشدائد.

وهنا أقول ان على الصغار أن يتعلموا من الكبار كيف تُحمى حقوق الشعوب، لا أن يكونوا أدوات تُحرّكها الأيادي من خلف الستار.” وهذه العبارة تختصر المشهد تماماً. فمن يقف مع من يضطهد شعبه ويهاجم شركاءه، لا يمكنه أن يدّعي الدفاع عن العراق أو التحدث باسم السنة أو الشيعة أو الكورد، لأن من يخسر احترام الآخرين لا يمكنه كسب احترام التاريخ.

إن محاولة التقليل من شأن إقليم كوردستان أو المساس بتضحياته، ليست سوى تكرارٍ لمخططات سابقة فشلت جميعها. فالإقليم بقي صامداً بفضل شعبه وقيادته الحكيمة، بفضل وضوح الرؤية التي رسمها الرئيس مسعود بارزاني وسار عليها كل من نيجيرفان ومسرور بارزاني في حماية الاستقرار وتثبيت مكانة كردستان كركيزة رئيسية للعراق الاتحادي.
نقول إن كوردستان لن تنجرّ إلى لغة التصعيد، لكنها أيضاً لن تسمح لأحد أن يشكك في شرعيتها أو مكانتها. ومن يظن أن بإمكانه كسب النقاط السياسية على حسابها، سيكتشف سريعاً أن التاريخ لا يرحم من يزرع الانقسام ويهين الشركاء. فالعراق لن ينهض إلا حين يتعلم ساسته أن الشراكة ليست منّة، بل واجب ومسؤولية.

قد يعجبك ايضا