التآخي-وكالات
قال السياسي الكوردي السوري زيد سفوك: “في سياسة الشرق الأوسط لا شيء ثابت، وخاصة بالنسبة إلى الكورد في سوريا وموقعهم في خارطتها الحديثة”، مضيفا أن “الاعتراف بحقوق الكورد دستوريا لا ينبغي أن يُفهم كتهديد لوحدة الدولة، بل هو الصواب نحو سوريا ديمقراطية مبنية على أساس العدالة؛ إذ لا يمكن أن يكون الانتماء للدولة بتجاهل الهوية، فالاعتراف وعي ونضج سياسي وأخلاقي يعيد التوازن إلى العلاقة بين جميع المكونات التي ستتشارك في بناء الوطن والحفاظ على التعايش المشترك، خاصة أن سوريا جغرافيتها واسعة وتتسع للجميع دون إقصاء أو تمييز”.
وأكد السياسي ذاته، في حديث مع موقع هسبريس حول القضية الكوردية في سوريا، أن “الكورد موجودون في الجغرافيا، ويتشاركون مع إخوتهم العرب تاريخا وحاضرا، وهم شعب عريق على أرضهم ضمن سوريا الحديثة، وقدموا تضحيات كبيرة، وكانوا الأكثر تضررا على مدى عقود في ظل سلطة النظام البائد؛ إذ واجهنا خطاب العنصرية والكراهية والتطرف من خلال تمسكنا بالعيش المشترك والسلم الأهلي، وسنواصل نضالنا لأن السلام والاستقرار والأمان قيم تستحق التضحية من أجل مستقبل مشرق”.
مساومات دولية
وتابع بأن “الملف الكوردي مطروح على الطاولة الدولية، لكنه يعرف تدخلات من خلال مساومات القوى الكبرى والإقليمية والبازارات السياسية، وإدماج الكورد في المشهد السياسي السوري واقع لا يمكن تغييره، لكن ميزان المصالح الإقليمية ومصالح الأحزاب السياسية هو العائق حتى الآن”.
وأوضح المتحدث ذاته أن “توحيد القوى السياسية الكوردية هش وغير مبني على أساس متين، وهناك تناقض كبير في المواقف، الأمر الذي سيفقد الحوار بين دمشق والكورد مضمونه؛ فقوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية تفاوضان دمشق حول شكل الجيش الذي سيتواجد في شمال وشرق سوريا، وقوى الأمن الداخلي والمعابر وآبار النفط والمؤسسات الخدمية والتعليم. إذن، على ماذا سيتفاوض الوفد السياسي الكوردي مع دمشق؟”.
وزاد شارحا أن “الوفد بقي يراوح مكانه، مقيدا بلا حراك، مع العلم أنه رغم تدخل الجانب الأمريكي بعقد لقاء في شهر أبريل من العام المنصرم تحت شعار وحدة الموقف الكوردي وإخراج وثيقة مشتركة، إلا أنها لم تكن مبنية على توافق كوردي شامل، ولم تُجرَ أي انتخابات، أي أنها خطوة جيدة لكنها لم تكن متكاملة وتفتقد لتفاهمات عميقة ومتينة”.
سوريا موحدة
وشدد على أن “الكورد ليسوا مع تقسيم الدولة، وعلاقتهم مع الشعب السوري متينة، لكن من خلال مؤسسات الدولة وتأسيس سوريا الجديدة ما زالت العلاقة ضعيفة وغامضة، بحيث لم تدخل الحكومة السورية في عمق الحوار السياسي بين مكونات الشعب لتحديد دستور يلائم حقوق الجميع، وما زالت تؤسس قوتها العسكرية والأمنية تحت سقف الدولة وتحاول أن تكون كامل الجغرافيا تحت سيطرتها”.
وتابع بأن “الأوراق التي يعتمد عليها الكورد للاندماج في الدولة في الوقت الراهن مختلطة ومرتبطة بالأحداث الدولية المتسارعة وسياسة أمريكا في الشرق الأوسط، كما أنه لا يوجد موقف واضح من القوى الدولية لمساندتهم، ولم يظهر موقف صريح أو رسمي وعلني من المجتمع الدولي حول ماهية شكل سوريا الجديدة؛ إذ تظهر تصريحات إعلامية بين الحين والآخر تأتي كرسائل لطمأنة حلفائهم والحفاظ على مصالحهم المستقبلية فقط”، مضيفا: “لقد قمنا بتشكيل وفد من المستقلين للحوار مع دمشق، وهذا حقنا، ولم نمنحه لأي طرف، فحقوقنا ومطالبنا في دمشق، ولا بد أن نطرق ذاك الباب الذي أقفله النظام البائد طوال مدة حكمه”.
وأكد المتحدث ذاته، طوال 14 عاما من الثورة السورية كانت قوات التحالف، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، متواجدة في حضن الكورد والعرب في سوريا، لكنها لم تقدم شيئا لقضيتهم. جرت معارك دموية في عفرين ورأس العين والقامشلي والحسكة، ولم تتدخل هذه القوات، وكانت تصرّح دوما بأن وجودها فقط لمحاربة داعش. وتسببت المعارك في هجرة الآلاف من الشباب والعائلات سالكين طرق الموت للوصول إلى أوروبا، ولو كان هناك دعم من القوى الدولية لهم لما هجروا وطنهم”.
انقسام فكري
تفاعلا مع سؤال لهسبريس حول إمكانية تطبيق نموذج كوردستان العراق في سوريا، أجاب سفوك بأن “هذه التجربة لا يمكن تطبيقها في سوريا؛ أولا لأن هناك جغرافيا موحدة، وثانيا لأن كورد العراق كانت رؤيتهم وأهدافهم واضحة منذ السبعينيات، وهي الحكم الذاتي الذي حصلوا عليه باتفاقية بين الحكومة في بغداد والقيادة الكردية آنذاك، إضافة إلى أن لديهم قيادة بارزانية موحدة في أربيل، وقيادة طالبانية موحدة في السليمانية، وبينهم توافق وشراكة موقعة، بينما في سوريا لا توجد قيادة سياسية موحدة، والجغرافيا منقطعة بين بعضها البعض”، مشيرا إلى “وجود انقسام مجتمعي وفكري من حيث المبدأ في المطالبة باللامركزية السياسية أو الإدارية”.
وشدد على أنه بالرغم من “كافة أشكال الظلم والاضطهاد والتمييز العرقي والحرمان من أبسط الحقوق السياسية والثقافية، بما فيها سحب الجنسية السورية من الآلاف منهم من قبل السلطات والأنظمة السابقة، إلا أن الغالبية العظمى من الشعب الكوردي في سوريا لا يطالبون بالانفصال أو الاستقلال عن الدولة السورية، بما فيهم الحركات والأحزاب السياسية منذ تأسيسها وحتى يومنا هذا، وحتى بعد سقوط نظام الأسد ووصول السلطة الجديدة”.
وشدد على أن “الكورد يؤمنون بالعيش المشترك بين جميع مكونات الشعب السوري بكافة طوائفهم وأديانهم وقومياتهم من عرب وكورد، مسلمين ومسيحيين ، سنة وعلويين ودروز، ويسعون للحصول على حقوقهم القومية المشروعة ضمن إطار دولة سورية موحدة، ومن خلال الاعتراف الدستوري بهويتهم وخصوصيتهم القومية كجزء من التنوع السوري”.
حقوق تاريخية
وجوابا على سؤال حول اختلاف جوهر ومبررات المطالب الكوردية في سوريا عن التوجهات الانفصالية لجبهة البوليساريو في الصحراء المغربية، أوضح المتحدث ذاته أن “مطالب جبهة البوليساريو، التي تدّعي أنها الممثل الشرعي للشعب الصحراوي، مختلفة تماما عن مطالب الشعب الكوردي في سوريا، ففي الوقت الذي تُعتبر فيه الصحراء جزءا لا يتجزأ من الأراضي المغربية، وللمغرب حقوق تاريخية في هذا الإقليم، ترفض البوليساريو أي حل سياسي يشرعن وجود المغرب في الإقليم ويضمن وحدة أراضيه”.
وأضاف أن “المغرب قدّم للأمم المتحدة في عام 2007 مبادرة لمنح الصحراء حكما ذاتيا موسعا تحت السيادة المغربية، وفي 31 أكتوبر 2025 وافق مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على القرار رقم 2797 الذي يشدد على أن خطة الحكم الذاتي المغربية هي الأساس الوحيد للمفاوضات، ويشير إلى أن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يمثل حلا واقعيا للنزاع، وفي حين اعتبره المغرب نصرا دبلوماسيا تاريخيا وخطوة نحو إنهاء الصراع، اعترضت الجزائر على القرار، ووصفته جبهة البوليساريو بأنه يقوّض الشرعية الدولية”.