قراءة في كتاب “مشروع إصلاح المجتمع الإيزيدي” للباحث دلشاد نعمان فرحان

حسو هورمي

البطاقة التعريفية للكتاب: حيث أن عنوانه هو “مشروع إصلاح المجتمع الإيزيدي”، وهو من تأليف دلشاد نعمان، مع مراجعة وتقديم د. سعد سلوم. الكتاب صدر عن مركز البيان للدراسات والتخطيط في بغداد في سبتمبر 2025، ويتكون من 108 صفحات موزعة على ستة فصول.
في الذكرى الحادية عشرة للإبادة الجماعية التي تعرّض لها الإيزيديون عام 2014، يطلّ علينا الباحث والكاتب دلشاد نعمان فرحان بعملٍ فكريٍّ نوعيٍّ بعنوان “مشروع إصلاح المجتمع الإيزيدي”، صادر عن مركز البيان للدراسات والتخطيط. يأتي هذا الكتاب ليملأ فراغًا طال أمده في مقاربات ما بعد الإبادة ، متجاوزًا السرد المأساوي إلى بلورة رؤية فكرية واجتماعية لإعادة بناء الذات الجماعية الإيزيدية على أسس من الوعي النقدي والعدالة والتمكين.
منذ الصفحات الأولى، يدرك القارئ أن المؤلف لا يكتب من موقع الرصد الخارجي، بل من قلب الجرح نفسه، حيث يتحول النص إلى رحلة مزدوجة بين الألم والأمل، بين استحضار الفاجعة واستشراف الممكن. فالكتاب لا يكتفي بتوصيف الإبادة بوصفها حدثًا ماضويًا، بل يرى أنها إبادة مستمرة، لأن تداعياتها ما زالت تحكم البنية النفسية والاجتماعية والسياسية للمجتمع الإيزيدي حتى اليوم. ومن هنا، تنبع أهمية المشروع الذي يقدّمه — فهو لا ينشغل بتأريخ الجرح، بل بكيفية التعافي منه وإعادة تشكيل الذات الجماعية.
يُقيم فرحان مشروعه الإصلاحي على فكرة محورية مفادها أن الحوار هو السبيل الوحيد لإعادة التوازن والانسجام داخل الجماعة المكلومة. فالمجتمع، في تصوره، كائن حيّ قادر على استعادة قواه حين يمتلك أدوات النقد والتفكير والتنظيم المؤسسي. ويقدّم الكتاب في هذا الإطار مجموعة من المقاربات النظرية والعملية التي تلامس جوهر التحديات التي يواجهها الإيزيديون بعد الإبادة، من الانقسامات الداخلية إلى الإرث النفسي الموجع وضعف الثقة بالمؤسسات التقليدية والتهديدات التي تطال الهوية والثقافة الإيزيدية.

لكنّ القيمة الفكرية للكتاب لا تكمن في تشخيص الأزمات فحسب، بل في صياغة رؤية إصلاحية متكاملة ترتكز على ثلاث ركائز رئيسة:
1.ترميم الهوية الإيزيدية بوصفها مظلة وجودية جامعة تقي المجتمع من الذوبان في محيط متحوّل.
2.العدالة الانتقالية كآلية ضرورية لمعالجة إرث الإبادة واستعادة الثقة بين الفرد والجماعة.
3.تمكين المجتمع عبر بناء مؤسسات ديمقراطية مستقلة تستند إلى مشاركة فاعلة للنساء والشباب.
إضافة أكاديمية نوعية
تُعد مساهمة الدكتور سعد سلوم في تقديم ومراجعة كتاب “مشروع إصلاح المجتمع الإيزيدي” إضافة جوهرية تعزز من قيمة العمل وتضاعف من تأثيره، لما توفره من أبعاد علمية وتحليلية متعددة.
فحضور الدكتور سلوم، المعروف بخبرته الواسعة في دراسة شؤون الأقليات ولا سيما المجتمع الإيزيدي، يمنح الكتاب مصداقية أكاديمية عالية ويضعه في إطار بحثي رصين يجعله مرجعًا موثوقًا للباحثين وصناع القرار على حدٍّ سواء.
تمتاز مراجعة الدكتور سلوم بقدرتها على تقديم قراءة علمية دقيقة تتناول القضايا البنيوية التي يواجهها المجتمع الإيزيدي، مثل آثار الإبادة الجماعية وإشكاليات إعادة بناء الهوية. ويكشف هذا التحليل عن عمق فكري واضح وإطار منهجي يساعد القارئ على فهم السياقات الاجتماعية والسياسية المعقدة التي تحيط بالموضوع.
وإلى جانب التوثيق والتحليل، ترتقي مساهمة الدكتور سلوم بالكتاب إلى مستوى استراتيجي تطبيقي من خلال التركيز على الحلول العملية المستندة إلى أسس علمية، بما في ذلك آليات العدالة الانتقالية والمصالحة وإعادة بناء المؤسسات. هذا الجانب العملي يمنح العمل بعدًا ميدانيًا يخدم الباحثين وصانعي السياسات والمهتمين بقضايا العدالة الاجتماعية وإعادة الإعمار المجتمعي.

خاتمة: من الجرح إلى الرؤية
لغة الكتاب تأتي متوازنة بين التحليل الأكاديمي والهمّ الإنساني؛ فهي لغة تتقصّى المعنى ولا تتورّط في الشعارات. يكتب فرحان بنبرةٍ تجمع بين التأمل الهادئ والرؤية الواقعية، واضعًا إصبعه على جرحٍ مفتوح، لكنه لا يترك القارئ في عتمة الألم، بل يمدّ أمامه خريطة طريق للتعافي، عنوانها الأساسي أن العدالة والهوية والوعي النقدي هي مفاتيح البقاء والاستمرار.
يمكن القول إن هذا الكتاب جدير بالقراءة والاطلاع، لما يحتويه من أفكار قيمة يمكن ترجمتها إلى خارطة طريق تهدف إلى إصلاح المجتمع الإيزيدي. ونحن نثمّن عاليًا جهد المؤلف وشجاعته في تناول هذا الموضوع الحساس والمهم، لما يعكسه من اهتمام عميق بقضايا الإصلاح المجتمعي وسعي مخلص نحو بناء وعي جمعي جديد يليق بتاريخ هذا المجتمع وصموده.
إن “مشروع إصلاح المجتمع الإيزيدي” لا يقدّم حلولًا جاهزة بقدر ما يفتح أفقًا للحوار والتفكير الجماعي، وهو ما يجعله نصًا تأسيسيًا في أدبيات ما بعد الإبادة، ليس للإيزيديين وحدهم، بل لكل المجتمعات التي تبحث عن معنى للنجاة بعد الإبادة الجماعية. إنه نداء لإعادة اكتشاف الذات من ركام الفقد، ورسالة تقول بعمقٍ إنسانيٍّ لافت إن إرادة الحياة أقوى من كل محاولات الإبادة.

قد يعجبك ايضا