عناق الجبل والأم… حين تتنفس كوردستان

احمد زبير باني

في تلك اللحظة التي تجمّد فيها الزمن وذاب الحديد في العيون، كان المشهد أوسع من الوجدان وأعمق من اللغة:

رئيسٌ يضمّ بين ذراعيه أمًّا كأنها كلّ الأمهات، ودموعٌ تتوضأ بها الأرض لتصير أقدس من المدى. ليست صورة عابرة، بل نَفَسٌ خرج من صدر كوردستان وهي تستردّ أبناءها رمزيّاً، واحداً بعد آخر، من حنجرة الفقد.

حين احتضن الرئيس بارزاني تلك الأم، لم يكن يحتضن جسداً، بل تاريخاً من الصبر، ومجلداً من الشهادة، وجبالاً من الحنين. كلّ تجعيدةٍ على وجهها كانت خارطة قتالٍ قديم، وكلّ دمعةٍ انحدرت من عينيها كانت نجمةً سقطت من سماءٍ لم تعرف سوى المقاومة.

وفي عيني الرئيس، حين التقت بنظراتها، سكنت مملكةٌ من الوفاء، كأنّ التاريخ بأكمله ركع احتراماً لذلك اللقاء.

يا لهيبة المشهد…

الزعيم ليس في ميدان السياسة، بل في ميدان العاطفة المقدسة، حيث النصر يُقاس بالدفء لا بالرصاص. إنه العناق الذي يُطهّر الذاكرة من رماد الأنفال، ويعيد للأمهات يقيناً بأن دماء أبنائهن لم تذهب هدراً، وأن الأرض التي شربت من أرواحهم ما زالت تنبض بالحرية.

قالت الأم بصوتٍ ارتجف فيه التاريخ:

(الحمد لله، رأيتُ الرئيس واحتضنته… إن متُّ اليوم، أموتُ بخير). يا لروعة الكلمات حين تخرج من قلبٍ يابسٍ من الحنين، فيزهر بين يدي القائد كطفلةٍ عادت إلى حضن أبيها بعد طول اغتراب.

لم تكن تحتضنه وحدها… كانت تحتضن معه الجبلَ والرايةَ ودموعَ كلّ أمٍّ لم تزل تنتظر خطوات ابنها على عتبة البيت. وكان بارزاني، في تلك اللحظة، لا يواسي فقط، بل يتوضّأ من حزنها، ليعود أنقى، أكثر إنسانية، وأكثر انتماءً للأرض التي نذر نفسه لها.

يا كوردستان… كم من المرات بكيتِ في صمتك، وكم من المرات غفرتِ للسماء حين تأخّرت في إرسال الفجر. لكن اليوم، حين تعانقت يد القائد وكتف الأم، ولدت من رحمكِ قصيدة لا تشبه شيئاً في العالم. قصيدة عنوانها (الوفاء)، ومطلعها (الرحمة)، وخاتمتها (أن الوطن لا يُبنى إلا بالحبّ).

إنه العناق الذي صار نشيداً، وصار وعداً، وصار صلاةً تصعد من شفاه الثكالى إلى الله. في تلك اللحظة، لم يكن هناك رئيسٌ وأمّ… كان هناك وطنٌ يحتضن نفسه

قد يعجبك ايضا