زوهران ممداني… ضوء جديد في سماء الديمقراطية الأمريكية

د. ابراهيم احمد سمو

منذ أيام وأنا أتابع هذه الانتخابات باهتمام غير معتاد، رغم المسافات البعيدة التي تفصلني عن الولايات المتحدة، ورغم أن ما يجري هناك لا يمس حياتي بشكل مباشر. إلا أن ما حدث في نيويورك هذه المرة لامس شيئاً في داخلي، شيئاً يتجاوز الجغرافيا والسياسة، ليصل إلى جوهر الإيمان بالحرية والديمقراطية، وإمكانية أن يصنع الإنسان المختلف طريقه في عالمٍ مليء بالعقبات.

في قلب أمريكا، وفي مدينةٍ تُعد من أكثر المدن تنوعاً وتأثيراً في العالم، فاز المسلم زوهران ممداني بمنصب رئيس بلدية نيويورك، ليصبح أول مسلم يشغل هذا المنصب في تاريخ المدينة. ما يجعل هذا الفوز مميزاً ليس فقط لانتماؤه الديني، بل الظروف التي أحاطت به؛ إذ جاء الانتصار في ظل أجواء سياسية محتدمة، وحضورٍ كثيف للتيارات المحافظة والضغوط من الجمهوريين، وعلى رأسهم الرئيس دونالد ترامب، الذي حاول بقوة الحدّ من فرص ممداني في الفوز، دون جدوى.

ولد زوهران ممداني في كمبالا عاصمة أوغندا، ثم انتقل في سن مبكرة إلى نيويورك حيث ترعرع وتكوّنت ملامح شخصيته السياسية والاجتماعية. لم يكن في بدايته هاوياً للسياسة، بل جاء إليها بدافعٍ من شغفه بالعمل المجتمعي والفكري، ومن إحساسٍ بضرورة أن يكون جزءاً من التغيير الذي يطمح إليه كثير من الشباب من أصول مهاجرة. يشبه ممداني في هذا المسار كثيرين ممن حملوا معهم قصص النجاح من قاراتٍ أخرى إلى أمريكا، مثل الرئيس الأسبق باراك أوباما، الذي كسر حواجز اللون والأصل ليصل إلى البيت الأبيض.

ينتمي ممداني إلى الحزب الديمقراطي، ويُعرّف نفسه بأنه اشتراكي ديمقراطي، وهو وصف يبدو صعب التوفيق بينه وبين النظام الرأسمالي السائد في الولايات المتحدة. ومع ذلك، استطاع أن يقدم نموذجاً متوازناً يجمع بين الواقعية والطموح، مستنداً إلى إيمانه بعدالة توزيع الفرص وضرورة رعاية الطبقة العاملة والمتوسطة. وفي بلدٍ يُحكم غالباً من قِبل أصحاب المال والأعمال، كالرئيس ترامب، فإن صعود شخص مثل ممداني إلى موقع قيادي يُعد حدثاً غير تقليدي، بل أشبه بما وصفته وسائل الإعلام بـ (الزلزال الانتخابي الكبير).

تمكّن ممداني من كسب ثقة الناخبين عبر برنامجٍ انتخابي واقعي وشجاع ركّز على هموم الناس اليومية، وخاصة ما يتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة، والسكن، والمواصلات، والرعاية الطفولية. دعا إلى تجميد الإيجارات في بعض الوحدات السكنية، وتوفير المواصلات العامة مجاناً في قطاعات عديدة، كما طرح خطة لزيادة الضرائب على الأثرياء لتمويل الخدمات العامة. هذه الطروحات لاقت صدى واسعاً بين فئات المجتمع المتوسطة والفقيرة، ممن رأوا فيه صوتاً جديداً يعبّر عنهم بصدق، بعيداً عن لغة المصالح الضيقة التي تحكم السياسة عادة.

وقد كان لافتاً أن ممداني حصل على عدد كبير من الأصوات حتى في مناطق رمزية كـ شارع 11 سبتمبر، وهو ما اعتبره كثيرون مؤشراً على تغيرٍ عميق في نظرة المجتمع الأمريكي تجاه المسلمين، بعد سنواتٍ من الصور النمطية السلبية والاتهامات الجاهزة. فوز ممداني في هذه البيئة المعقدة يعني أن الناخب الأمريكي بدأ يتجاوز الانتماءات الدينية والعرقية، متجهاً نحو تقييم الكفاءة والبرامج والمواقف الفعلية.

هذا الانتصار لم يكن حدثاً محلياً فحسب، بل تردد صداه عالمياً. فقد اعتبره مراقبون نقطة تحول في الوعي السياسي الأمريكي، ودليلاً على أن الديمقراطية ما زالت قادرة على تجديد نفسها من الداخل. كما أشار آخرون إلى أن فوز ممداني قد يشجّع الأقليات والمهاجرين في مختلف أنحاء العالم على المشاركة السياسية الفاعلة، والإيمان بأن التغيير ممكن مهما كانت التحديات.

وفي المقابل، أثار فوزه ردود فعل متباينة، حيث ظهرت أصوات متشددة دعت بعض اليهود إلى الهجرة من نيويورك نحو إسرائيل، خوفاً من التحولات السياسية المقبلة، لكن تلك الأصوات بدت محدودة أمام موجة الترحيب الشعبية والإعلامية التي رأت في ممداني رمزاً للأمل والانفتاح.

إن ما فعله زوهران ممداني لم يكن مجرد فوزٍ انتخابي، بل إعلان عن ولادة مرحلة جديدة في الوعي الأمريكي، عنوانها أن الهوية لم تعد قيداً، بل مصدر قوة حين تقترن بالعمل والصدق والإيمان بالمبادئ. ومن هنا تأتي فرحتي، لا بدافع الانتماء الديني أو العرقي، بل لأنني رأيت في فوزه انتصاراً للفكرة الديمقراطية ذاتها، تلك التي تتيح لأي إنسان – مهما كان أصله أو دينه – أن يصنع الفرق ويترك بصمته في التاريخ.

قد يعجبك ايضا