سعاد حسين الراعي
أتذكّر تلك المرّة الأخيرة التي حملتني خطواتي إلى بيت استاذتي ماريا بعد رحيل زوجها، وقد ثقلت على صدري مخاوف لم أفلح في تبديدها. كنت كمن يُساق إلى غياب غير مسمّى، يحمل في داخله رجفة لا يفسرها العقل. وحين بلغت الدار التي طالما ارتدتني بظلّها الوارف، فوجئت بالفراغ يفتح ذراعيه لاستقبالي. لم يطلَّ وجهها من نافذة الباب كما اعتادت أن تفعل، ولم يطرق سمعي وقع حذائها في الرواق. صمتٌ كثيف كان يخيّم على المكان، حتى شعرت أن الجدران نفسها تسرد عليّ غيابها بصوت مكتوم.
جلست على الدكّة الحجرية أمام الباب، كأنني أحرس غيابها بقلقٍ يثقل نظراتي، أترقب الطريق بعينين متوجستين، لعلها تعود من جولة قصيرة في الحيّ، أو يسبقها ظلها المتهادي من بعيد. كم من مرّة فتحت لي هذا الباب بعينين غارقتين في دموع الفرح، تحتضنني بحنوّ الأم وتقول بصوتٍ متهدّج:
“أنت وحدك من لم يخذلني ويحرص على زيارتي؛ بوفاءٍ يفوق حتى وفاء أبنائي.”
كانت كلماتها تلك ترسم على قلبي ندبة حنان وجرحًا صامتًا في آن؛ فهي تكشف وحشتها الخفيّة، وتعرّي غياب الأبناء عن حضنٍ ما زال ينتظرهم.
ذلك الانتظار عند عتبتها لم يكن انتظارًا عابرًا، بل وقوفًا على تخوم الغربة نفسها؛ حيث الزمن يتباطأ حتى يكاد يتوقف، والدقائق تتمدد كأنها دهور تبتلعني في صمتها الثقيل. كنت أشعر أن المكان يتآمر مع القلق ليطيل غربتي عنها، وأن جدران البيت تتنفس غيابها كأنها فقدت نبضًا كان يمنحها الحياة.
وفجأة، انشقّ الصمت على وقع خطوات تقترب من السلم. انتفضت واقفة، يسبقني قلبي كطائرٍ مذعور، وتهيأت لمدّ يدي إليها، لأحمل عنها بعض عناء الدرج، كعادتي كلما التقيتها. في لحظة خاطفة ارتسمت صورتها في خيالي: ميرا بملامحها التي جمعت بين صرامة السنين ودفء القلب، بضعفها الذي يخفي قوّة نادرة، وبحزنها الذي يفيض حنانًا. لكن القدر أدار وجهه عني، فإذا بي أمام وجه آخر: جارتها.
حييتها بارتباك، وما كدت ألتقط أنفاسي حتى باغتتني بكلمات سقطت عليّ كالصاعقة:
“ماريا لم تعد تسكن هنا… لم يبقَ سوى ابنها، يتردّد بين الحين والآخر.”
كان وقع العبارة أشدّ قسوة من الصمت الذي سبقها؛ إذ اختزلت كلّ شيء في جملة قصيرة، جملة حملت في طيّاتها غيابًا كاملًا، واقتلاعًا موجعًا لجذور الألفة التي ربطتني بها. أحسست في تلك اللحظة أن الأرض تميد بي، وأن الأبواب جميعها أوصدت في وجهي دفعة واحدة.
تجمدت ملامحي. سألتها بلهفة يائسة: “وأين هي الآن؟” فأجابت بهزّة رأسٍ ثقيلة، تحمل في طيّاتها أكثر مما تحتمل الكلمات: “لا أعلم. ابنها يأتي ويذهب، ونادرًا ما أراه، ولا أعرف عنه الكثير.”
عندها اجتاحني شعور مباغت بالتيه، كأنني فقدت خيطًا نادرًا كان يشدّني إلى المعنى، وبدأت فكرة الفقد تترسخ داخلي رويدًا رويدًا. كيف يُعقل أن تنقطع أخبارها فجأة؟ وكيف يغيب أثرها هكذا، وهي التي شكّلت لي سندًا وصحبة وملاذًا لا يعوَّض؟
كانت زياراتي لماريا طقسًا من طقوس الروح، أكرره مرتين أو أكثر كل شهر منذ تخرّجي. فما بدأ بيننا يومًا بعلاقة أكاديمية متينة، حيث كانت أستاذتي المشرفة ورئيسة قسم الاقتصاد في الأكاديمية، تحوّل مع الأيام إلى صداقة إنسانية عميقة، صداقة تسقيها التجارب، ويظللها الاحترام، وتغذّيها الألفة. كنت أجد في رفقتها صدىً لوجه أمي الغائب، وملامح دفءٍ عائلي افتقدته منذ أن غادرت العراق قبل أكثر من عقد. بيتها كان أشبه ببيتٍ ثانٍ، يردّ لي بعض ما سُلب مني من شعور الانتماء، وحضور زوجها بجانبها كان يضفي على المكان طمأنينة العائلة الحقيقية.
بعد ان عصفت بها رياح السياسة فألقتها في بلغاريا، ماريا إيفانوفج، ابنة يوغسلافيا لم تكن وجهًا عابرًا في سجل الأكاديميا، بل روحًا متوهجة تشع حضورًا إنسانيًا نادرًا. في عقدها السابع، كانت تجلس بيننا بوجه صاغته يد التجارب كما يصوغ النحات تمثالًا من صخرٍ عنيد، عينان غمرهما الحزن، لكن خلف سدولهما كان يطل بريق لا ينطفئ من مودة وحنان. حملت قلبًا أنهكته العلة، غير أنّه، على وهنه، ظل رحبًا كسماءٍ مفتوحة، يفيض بالعطاء لطلابها ولزملائها وكل من طرق بابها. وفي قاعات الأكاديمية، بدت مثال الصرامة والنبوغ، إلا أنّ إنسانيتها الشفيفة كانت تنسج حول تلك الصرامة ثوبًا من رقةٍ ودفء، فتقربها من الأرواح اقتراب الأم من أبنائها.
غادرت الدار مثقلاً بالأسئلة، يرافقني صدى خطواتي كأنه عزاء مبكر يشيعني. كنت أمشي وفي داخلي مقاومة صامتة لهذا الغياب المفاجئ؛ فماريا لم تكن مجرّد أستاذة عابرة في حياتي، بل كانت جسرًا يعيدني في كل مرّة إلى معنى الانتماء، إلى جذور الإنسان في قلب إنسان آخر. وفي الطريق إلى مساكن الطلبة حيث أقيم فيها، كنت أشعر بالقرار ينضج بداخلي دون أن أصرّح به: لن أترك خيطها ينقطع. لا بد أن أجد سبيلًا يقودني إليها.
كان عليّ أن أذهب إلى قسم الاقتصاد، القسم الذي حمل بصماتها حتى آخر لحظة قبل تقاعدها، علّي أعثر هناك على اثرٍ يقودني إليها، أو يفتح أمامي نافذة صغيرة تطلّ على مصيرها. أسير بخطى متسارعة، تتنازعني مشاعر متناقضة؛ قلق ينهش صدري، وحنين يلوّح لي بصورتها وهي تروي ذكرياتها الصارمة، وأمل خفي يهمس بأن اللقاء القادم لم يُغلق بعد. فقد كنت أعلم في قرارة نفسي أن بعض الوجوه لا يطويها الغياب، لأنها تستقر في أعماق الروح، لتظلّ حيّة فينا ما حيينا.
كانت زيارتي الأولى للقسم بعد التخرج تحمل مزيجًا من الحنين والارتباك، كأنني أعبر من بوابة الزمن إلى ماضٍ ما زال ينبض في قلبي. استقبلتني السكرتيرة بابتسامتها المشرقة ودفئها الذي يشبه العناق الخفي، ثم دعتني إلى مشاركتها فنجان قهوتها الصباحية. كان بيننا ألفة قديمة تنسجها خيوط الصداقة التي جمعتنا بماريا، فبادرتها بالسؤال عنها، وقد كان اسمها يراودني كأغنية غامضة لا تفارق الذاكرة.
أخبرتها بما جرى في زيارتي الأخيرة، وكيف طرقت باب ماريا دون أن أجدها، ثم سألتها عما إذا كان لديها خبر عنها، إذ كنت أتشبث بخيط من الأمل في أن أستعيد تلك اللقاءات التي اعتدت أن أستنشق منها شيئًا من المعنى.
لكنها فجأة أطلقت تنهيدة طويلة، كأنها تحمل في طياتها ثِقَل حكاية مؤلمة، ثم نظرت إليّ بعينين غيمهما الشجن وهمست:
ـ ألا تعلمين؟ تُقيم الآن في أحد بيوت العجزة.
ارتجفت الكلمات في أذني كصفعة باردة، فقلت مرتبكة، وكأنني أتشبث بالإنكار:
ـ ماذا تقولين؟ قبل اقل من شهر فقط كنت عندها. صحيح، بدا عليها الإعياء، غير أنها طمأنتني بابتسامة صبورة، وأكدت لي أنها ما تزال تتابع علاجها بانتظام.
أطرقت السكرتيرة بحزن وأضافت:
ـ نعم… لكن سرعان ما انهارت صحتها، واحتاجت إلى رعاية خاصة لم تجدها في بيتها بعد أن انقطع عنها أبناؤها، وتركوها وحيدة في مواجهة جسد يخذلها يوما بعد آخر
تجمّدت الكلمات على شفتي، كأنها حجارة ألقيت في بئرٍ غائر، فيما تسللت مرارة حارقة إلى عروقي. ارتسمت أمام ناظري صورتها كما تركتها آخر مرة: جلستها الوادعة قرب النافذة، أصابعها المرتجفة تعانق فنجانها كمن يستجدي دفئًا ضائعًا، وعيناها تواريان خلف بريقٍ خافت وجعًا أثقل روحها. كيف تُختزل حياة كاملة في غرفة باردة تُسمّى بيتًا للعجزة؟ أيُعقل أن تُطوى صفحات العمر بكل ما حفلت به من تعبٍ وصبرٍ وعطاءٍ جليل، ليكون الختام عزلة وصمتًا وخذلانًا؟ أهذا جزاء السنين التي أنفقتها في البذل والعطاء، أن تُزاح كرامتها جانبًا وتُلقى إلى الهامش، كأنها لم تكن يومًا منارة للعلم ودفء للأمومة؟
قلتُ بصوت مرتجف، أحاول أن أتمالك حرارة قلبي:
ـ وهل تعرفين عنوانها الآن؟
أومأت برأسها وهي تحاول أن ترسم ابتسامة شاحبة وقالت:
ـ نعم… بل أنوي زيارتها في نهاية الأسبوع. وإن رغبتِ، يمكننا أن نذهب معًا.
حينها انبثق من أعماقي لهف يفيض عن القدرة على الإخفاء، وقلت بسرعة امتزجت فيها المرارة بالأمل:
ـ بكل سرور… وبكل شوق.
شعرت في تلك اللحظة أن قرار الزيارة لم يكن مجرد مبادرة إنسانية، بل وعدًا أصدرته لروحي قبل أن يكون لماريا؛ وعدًا أن أمسك بيدها من جديد، أن أقتسم معها صمتها وأوجاعها، وأن أكون شاهدة على نورها الأخير، مهما خفت ضياؤه في بيت لا يليق بامرأة بقامتها حملت في قلبها تاريخًا من العطاء والابداع.
ومنذ تلك اللحظة، أخذتُ أتهيأ للقائها. كان الطريق إلى بيت العجزة في خيالي أشبه برحلة نحو عتمةٍ تتربص بالقلب. تخيلته شارعًا طويلاً تصطف على جانبيه أشجار بلا أوراق، أغصانها ممدودة كالذراعين المتسولين، والريح تعبث بها فتزيدها انكسارًا. كأن كل شيء يتهامس في أذني عن وحشة تنتظرني في نهاية الطريق.
كنت أرى بعين الخيال بابًا ثقيلاً من حديد يفضي إلى فناء صامت، لا تُسمع فيه سوى وقع الخطوات المترددة وزفرات الريح التي تتسلل بين الشقوق. جدران رمادية عارية من أي حياة، نوافذ مغلقة على أسرار ساكنيها، ستائر باهتة تشبه وجوهًا فقدت لونها مع الأيام. المكان كله ينهض كرمز للفقد، لانسحاب الحياة إلى أركان مهملة، حيث الأرواح تنتظر ببطء النهاية.
تخيلتُ الممرات الطويلة الضيقة، تفوح منها رائحة عقاقير ممزوجة بذكريات ذابلة، والأصوات الخافتة لأجساد تتنفس بجهد، وأنين مكتوم يتسلل من غرف متقابلة. لا شيء يُسمع سوى صرير عربات متحركة أو وقع خطوات ممرضة متعجلة. حتى الزمن نفسه هناك بدا لي وكأنه يتثاقل، يجر قدميه ببطء قاتل.
كنت أتصور ماريا جالسة في إحدى تلك الغرف، عيناها شاخصتان نحو فراغ بعيد، كأنها تنتظر زائرًا يوقظ في روحها بقايا حياة. رأيتها تبتسم على استحياء حين يدخل وجه مألوف، ثم تعود فتغيب في صمتها الطويل. شعرت أن كل ثانية من رحلتي إليها ستكون امتحانًا لقلبي: هل أستطيع أن أمد لها يدًا تحمل بعض دفء؟ هل أقدر أن أُعيد إلى روحها شيئًا من نورٍ رفض أن يخبو رغم كل ما أحاط بها من عتمة؟
كان الطريق إذن أكثر من مسافة تقطعها الخطى؛ كان معراجًا في داخلي، مواجهة مريرة مع هشاشة الإنسان حين يُترك عاريًا أمام قسوة الوحدة. وكلما اقترب الموعد، كان قلبي يضج أكثر، بين خوف من أن أراها منطفئة تمامًا، ورغبة جامحة في أن أُثبت لها أن ثمة يدًا ما زالت تمتد نحوها، لم تتخل عنها، ولم تجحدها كما فعل أبناؤها.
وحين همستُ لنفسي في النهاية: “سأقابلها”، شعرت أنني أستعيد بعض المعنى الضائع في داخلي. لم يكن الأمر مجرد زيارة عابرة، بل وعدًا أن أكون معها في وحشتها، أن أشاركها صمتها، وأن أكتب معها آخر سطور كرامتها في عالمٍ لم يعد ينصت إلا للزيف.