ياسر بادلي
في عالمٍ تتنازع فيه السياسة مع الضمير، وتُقاس فيه القيم بميزان المصلحة لا الإنسانية، يصبح صوت العقل الممزوج بالرحمة ضرورة لا ترفًا. لقد غدا اللاجئ في زمن التحولات القاسية عبئًا إداريًا لدى البعض، وورقة تفاوض لدى آخرين، بينما جوهر قضيته أبسط وأعمق: إنه الإنسان الذي فرّ من الموت بحثًا عن حياةٍ تُشبه الكرامة.
أوروبا، التي طالما قدّمت نفسها مرآةً للإنسانية ومهدًا لحقوق الإنسان، تبدو اليوم في مواجهةٍ مع صورتها. بين من يدعو إلى إغلاق أبوابها باسم الواقعية السياسية، ومن يتمسّك بأن الرحمة لا تعرف حدودًا ولا تصمت أمام الخوف، خرج الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير ليعيد إلى الخطاب الأوروبي شيئًا من صفائه الأول:
أن السياسة، متى فقدت بعدها الإنساني، تفقد معناها الأخلاقي، وأن القرارات التي تُغفل وجع الإنسان تُهزم ولو بدت صارمةً في ظاهرها.
حين دعا المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم بذريعة أن الحرب انتهت، جاء موقف شتاينماير أشبه بنبض ضميرٍ وسط صخب المصالح. فقد رفض، لا تحدّيًا سياسيًا، بل انطلاقًا من رؤيةٍ أخلاقية ترى أن الكرامة الإنسانية ليست ملفًا يُغلق بانتهاء المعارك، بل حقٌّ لا يسقط حتى يزول الخوف من النفوس قبل الميادين.
شتاينماير لم ينظر إلى الخرائط، بل إلى الذاكرة إلى الجرح المفتوح في وعي السوريين، إلى الخوف المقيم في أرواح من نجوا. وأكّدت وزارة الخارجية الألمانية أن الخطر لا يزال حاضرًا، وأن العودة في الظروف الراهنة مستحيلة. اللاجئ السوري لم يكن طارقًا عابرًا على بوابة أوروبا، بل إنسانًا جرّ خلفه حطام وطنٍ وأحلامًا مؤجلة، باع ما تبقّى له من الأمان في رحلةٍ نحو الضوء.
لم يسعَ إلى رفاهيةٍ ولا إلى بديلٍ عن وطنه، بل إلى نجاةٍ من موتٍ يتربّص في كل زاوية. إنه ليس رقمًا في إحصاءات الهجرة، بل سيرةُ مقاومةٍ للعدم، ومثالٌ على أن الإنسان حين يُدفع إلى أقصى حدود الخوف، يبقى متمسكًا بشرارة الحياة.
غير أن اللجوء ليس طريقًا باتجاهٍ واحد؛ فكما أن على الدولة المضيفة واجب الحماية والاحترام، على اللاجئ واجب المشاركة والانخراط البنّاء في المجتمع الجديد، بروحٍ من الامتنان والمسؤولية. فالمواطنة ليست ورقة إقامة، بل التزامٌ أخلاقي يُبنى بالعمل والاحترام والمشاركة في صياغة الصالح العام.
في خضم هذا الجدل، بدت كلمات شتاينماير كمرآةٍ تُواجه بها أوروبا ذاتها:
هل تبقى وفيّة لقيمها التي قامت عليها الحرية، الكرامة، الإنسانية أم تسمح لبرودة السياسة أن تطفئ دفءَ ضميرها الإنساني؟ لأن الإنسان لا يُعاد إلى الخطر، حتى لو صمتت المدافع. فالحرب التي تترك في الروح خوفًا، لا تُنهيها الهدنة أو مرحلة انتقالية، بل يُنهيها الأمان وحده.
لقد أراد شتاينماير أن يذكّر العالم بأن القوة الحقيقية لا تكمن في صرامة القرارات، بل في مرونة القلب حين يعرف متى يصغي إلى الضعفاء. فحين تتحدث الإنسانية، ينبغي للسياسة أن تصمت قليلًا… لتتعلّم.