على ضفاف الحكاية والذاكرة

محمد علي محيي الدين

تلقّيتُ بيدٍ يملؤها التقدير والإعزاز هديةً كريمة من الدكتور سعدي شرشاب، هي كتابه الأول الموسوم بـ (على ضفاف العالم الافتراضي)، الصادر عن دار الصواف عام 2025، في 130 صفحة من القطع المتوسط.

وأول ما استوقفني، وأنا أتأمل العنوان، هو مصطلح “العالم الافتراضي”، بما يحمله من إيحاءات رقمية ومعانٍ محدثة في ثقافتنا المعاصرة. أردت أن أقرأ الكتاب أولًا، قبل أن أُبدي رأيًا في العنوان، لعلّي أجد بين صفحاته ما يبرّر هذا الاختيار. وبعد القراءة المتأنية، تبين لي — ولعلي أكون مجانبًا الصواب — أن عنوان الكتاب لا يتسق تمامًا مع محتواه؛ إذ إن الحكايات التي ضمّها المؤلف ليست من نتاج الخيال الرقمي أو التجربة الافتراضية، بل هي حكايات واقعية عاشها الكاتب في بيئته العملية والاجتماعية، وجاءت انعكاسًا لعالمٍ مادي ملموس، لا لعالمٍ من المحاكاة أو الرموز.

فـ”العالم الافتراضي”، في دلالته الدقيقة، هو البيئة الرقمية التي تُنشأ بالحاسوب وتحاكي الواقع أو تصنع عوالم متخيلة، يمكن للإنسان أن يتفاعل معها من خلال تقنيات الرؤية والأجهزة الحديثة — كما في الألعاب ثلاثية الأبعاد أو المحاكيات الطبية والعسكرية. وفي الاستخدام الأوسع، صار يُطلق على فضاء الإنترنت بكل ما فيه من مواقع تواصل ومنتديات ومنصات رقمية تجمع بين أشخاص حقيقيين في عالم غير مادي. أمّا في البعد المجازي الثقافي، فقد اتسع ليشمل عوالم الوهم والانفصال عن الواقع، فيُقال عمن يعيش في أحلامه أنه يعيش في “عالمٍ افتراضي” لا يمتّ إلى الحياة الفعلية بصلة.

من هنا، فإنّ نسبة الحكايات الواقعية إلى هذا “العالم الافتراضي” تظلّ محلّ تساؤل؛ فالحكاية التي حدثت في أرض الواقع لا يمكن أن تُنسب إلى فضاءٍ رقميّ، إلا من باب النشر أو العرض، لا من باب الانتماء.

يدخل الكتاب في جوهره إلى حكاياتٍ نابضة بالحياة، تلتقط صورًا من الواقع العراقي بأبعاده الاجتماعية والأخلاقية والثقافية. فالمؤلف يسرد مواقف عاشها بنفسه، أو عايش أصحابها عن قرب، لتغدو الحكايات مرآةً لمرحلةٍ من الزمن العراقي، بكل ما فيها من نبضٍ إنساني، وصدقٍ شعوري، وتداخلٍ بين الجد والهزل.

فالكتاب يضم أربعًا وثلاثين حكاية، تكاد كل واحدةٍ منها تشكل لوحةً صغيرة تُكمل الأخرى في رسم صورة بانورامية للمجتمع. ولعل أجمل ما في هذه الحكايات أنها تُقدَّم بعفويةٍ محبّبة، لكن تحتها رصيد من التجربة والمعرفة والحنكة الإنسانية.

في إحدى الحكايات، يحدثنا الكاتب عن مشاكسات الطلبة في زمانه، مشاكسات فكرية لا تنمّ عن عبث، بل عن وعيٍ متوقد وجرأةٍ معرفية. فكانت مقاعد الدراسة آنذاك منابر للنقاش والجدل البنّاء، يختبر فيها الطلبة أساتذتهم بذكاء، ويقارعونهم بالحجة. وقد أورد المؤلف حادثة طريفة حول درسٍ في أحكام الرضاع، حين بادر الطالب (وهو الكاتب نفسه) بسؤالٍ ذكيّ عن حكم الحليب الاصطناعي، فأثار ضحك زملائه وحرج أستاذه الذي لم يحتمل الموقف، فغادر الصف وهو يقول له: “أنت سبب الفتنة!”

هذه الحكاية الصغيرة تفتح بابًا واسعًا للتأمل في مستوى الثقافة العامة آنذاك، حين كان الطلبة يتزودون بالمعرفة من مصادر متعددة، فيقرؤون خارج المقرر، ويتجادلون في الفقه والفكر والسياسة والأدب، لا يحدّهم امتحان ولا تقييم. كان السؤال طريقًا للمعرفة، لا وسيلةً لإغضاب المعلم. أما اليوم، وقد تراجعت القراءة، فصار كثير من طلابنا يتخرجون من المدارس والجامعات بألقابٍ لا تغني عن فقرهم الثقافي شيئًا، يحملون الشهادات ولا يحملون الوعي، ويزاولون المهنة ولا يفقهون جوهرها.

وفي حكاية أخرى، يعرّفنا الكاتب إلى أخلاقيات ذلك الجيل من الطلبة الذين كانوا يرون في المعلم أبًا روحيًا، وفي الأستاذ رمزًا للهيبة والاحترام. يروي أنه ذات يوم، جاءه مراجع في عيادته يطلب تعديل طقم أسنان، فاستوقفه مظهر الرجل وأسلوبه، فأحسّ أنه أمام شخصية ذات شأن. وبينما هو يعالج المريض، دار الحديث في الأدب والشعر، فألقى الطبيب أبياتًا من الشعر، فما كان من المراجع إلا أن سأله إن كان من محبي الأدب، فلما أجابه بالإيجاب، قال له: “أنا الشاعر محمد النقدي.” وهكذا وُلدت بينهما صداقة امتدت لسنوات، جمعت بين العلم والأدب، وبين الطبيب والشاعر.

هذه الحكاية ليست مجرد حادثة عابرة، بل درس في رهافة العلاقات الإنسانية، وكيف كان الناس يومًا يلتقون على أرضيةٍ من الأدب والذوق والاحترام المتبادل، لا على حساب المصلحة أو المنفعة. كان الاحترام قيمةً مغروسة في الوجدان، يتوارثها الأبناء عن الآباء، وكان الطالب يرى في أستاذه قدوةً ومثالًا. أما اليوم، فقد تراجعت تلك القيم حتى صرنا نرى جفاءً وجفوة بين الأجيال، وضاعت الهيبة التي كانت تظلّل العلاقة بين المتعلم ومعلمه.

ويمتد الكتاب إلى حكاياتٍ أخرى من حياة المؤلف في الخدمة العسكرية والوظيفية، تحمل في طياتها تجارب إنسانية ومواقف تعليمية يمكن أن تُدرّس كأمثلةٍ على الحكمة والنزاهة والتعامل الإنساني. ففي كل قصة عبرة، وفي كل موقف درسٌ أخلاقي أو اجتماعي، يذكّر القارئ بما يجب أن يكون عليه الإنسان في تعامله مع الآخرين.

ولا بد لي في ختام هذه القراءة السريعة أن أقول إن الدكتور سعدي شرشاب يمتلك قدرة مميزة على نسج الحكاية، يصوغها بلغةٍ أنيقة رشيقة، تجمع بين البساطة والعمق، وتستبطن روحًا أدبية تجعل القارئ يستسلم لتيار السرد دون ملل. لغته تنتمي إلى “السهل الممتنع”، تفتح أبواب الذاكرة، وتوقظ في القارئ حنينًا إلى زمنٍ مضى، كان فيه الناس أوفى، والمجتمع أكثر صفاءً، والعلاقات الإنسانية أكثر نقاءً.

إن كتاب “على ضفاف العالم الافتراضي” ليس مجرد مجموعة حكايات، بل سيرة غير مباشرة لجيلٍ كامل عاش التحولات الكبرى للمجتمع العراقي، واحتفظ في ذاكرته بصورٍ من الطيبة والبساطة والوعي، تستحق أن تُسجَّل وتُروى للأجيال القادمة..

ولعل من الإنصاف أن نختم الحديث بإشارةٍ إلى مؤلف الكتاب، الدكتور سعدي شرشاب، فهو واحد من أبناء الجيل الذي جمع بين المعرفة الأكاديمية والخبرة الإنسانية. تخرّج في كليات الطب، ومارس مهنته بضميرٍ يقظٍ ورؤيةٍ اجتماعية تتجاوز حدود العيادة إلى فضاء الإنسان في ضعفه وقوته، في مرضه وعافيته. وهو إلى جانب مهنته العلمية كاتب يمتلك حسًّا أدبيًا شفيفًا، يكتب بحبٍّ للناس، وبتأملٍ عميق في تفاصيل الحياة اليومية التي يغفل عنها الكثيرون.

يكتب الدكتور سعدي لا ليفاخر بمعرفته، بل ليؤنس القارئ، ويمنحه مرآة يرى فيها ذاته ومجتمعه. فكل حكايةٍ من حكاياته تنبض بصدق التجربة ودفء الذاكرة، وتكشف عن علاقةٍ حميمة بين الكاتب وبيئته، بين المثقف والناس الذين خرج من بينهم ولم يغادرهم يومًا.

وهكذا، فإن “على ضفاف العالم الافتراضي” هو باكورةُ تجربةٍ سرديةٍ تبشر بموهبةٍ قادرة على الجمع بين سلاسة السرد وعمق الرؤية، بين دفء الذكرى وصدق الملاحظة. وهو — في الوقت نفسه — نافذة تطل منها روح الطبيب الأديب، الذي يرى في كل إنسانٍ حكاية، وفي كل حكايةٍ حياة تستحق أن تُروى.

قد يعجبك ايضا