عودة مخطوف

حسن العكيلي

كان شابا ذكيا جدا اثار انتباه زملاءه الطلبة وكذا اساتذته في الكلية. فعندما كان يدخل غرفة المختبر- تجده يصغي الى كل كلمة يقولها استاذه ويحفظ شرحه عن ظهر قلب ويعيد نتائج التحليل المختبري بدقة متناهية… اما عن درجاته في الامتحانات النظرية فلا يقبل الا بالدرجة الكاملة.

ولكن الحاحه المتزايد في تبسيط اغلب المسائل المطلوب شرحها نظريا وعمليا – والتي كانت مخالفة لطريقة شروحات المدرس الجامدة والمعقدة – سبب له هذا التدخل المشروع مشاكل مع استاذه الذي وجد فيه منافسا يريد سحب البساط من تحت قدميه. وندا قويا استطاع ان يحول انظار الطلبة اليه دون غيره.

اتفق جميع اساتذته ان هذا الطالب البارع الذكاء الذي ذاع صيته في كليته بسرعة البرق ستكون نهايته عالما متميزا

عندما انتهى الموسم الدراسي بتوزيع النتائج.. كان الاول على دفعته وبدرجة امتياز. فاحتفل به زملاءه ومدرسيه وهنئوه بحرارة ماعدا ذلك الاستاذ الذي ظل جالسا متسمرا في مكانه. لكنه وبعد ان رأى جميع الطاقم التدريسي يلتف حول تلميذهم وراحوا يسلمون عليه ويربتون على كتفه ويأخذون معه الصور للذكرى. نهض الاستاذ الحاقد وعلى مضض ومد يده ليصافحه. ثم ترك المنصة وعاد ليجلس في مكانه.

عاد جميل الى بيته مجهدا فألقى نفسه على سريره لينام ماهي الا ثواني حتى انفصل عما حوله وراح يغط في نومه العميق.. دخلت عليه امه حاملة بيديها طبق الاكل لكن شخيره العالي انبأها انه قد انفصل عن عالم اليقظة وغط في نومه العميق حتى القعر. وبينما كان هو كذلك. راح شريط حياته يدور بسرعة عجيبة ويتوقف في محطات يعرفها ثم يعود ليدور ويتوقف في محطات اخرى لا يعرفها- الغريب ان صورة ذلك الاستاذ الحاقد تتبعه اينما يجري. حاول ان يهرب بعيدا عنه – يخفي نفسه في امكنة مظلمة لا يدخلها انسي او جان .

وعندما تخلص منه بصعوبة بالغة قرر ان يجلس وحيدا على مسطبة تطل على البحر وبالرغم من خلو المكان من البشر- تفاجئ بوجود شخص يجلس بقربه يشبه استاذه الخبيث. بفارق قليل- ان وجهه اصفر يشبه وجوه الموتى التفت اليه وسلم عليه بكل احترام وقدم له وردة صفراء تفوح برائحة زكية طلب منه ان يشمها ففعل. لكنه استسلم الى النوم فحطت بالقرب منهما مركبة تشبه الطائرات السمتية فحمله على كتفه وادخله الى المركبة لتغوص بهما في عمق اعماق السماء

وبعد رحلة لا يدري كم استغرقت من الوقت – توقفت المركبة في كوكب يبعد عن الارض بملايين الاميال -اخرج ذلك الرجل الغريب قنينة صغيرة ورش منها رذاذ عطر اعادته الى وعيه ليجد نفسه خارج كوكب الارض وباتت وان مسالة العودة الى وطنه من المستحيلات..

بعد مرور دقائق معدوده – اخذوه الى قاعة الاجتماعات ليلتقي به كبار المسؤولين وبعد اجتماع قصير قرر كبيرهم ان يقوم الطاقم الطبي المتخصص بإجراء فحوصات سريعة له ورفع اجزاء من دماغه لتستنسخ في المختبر الرئيسي وعلى وجه السرعة.

حين تم انجاز المهمة على اكمل وجه واعطوه ما يحتاجه من غذاء عن طريق الحقن الوريدي حاول جميل ان ينهض من مكانه وتحرك وسط تلك القاعة الطويلة المرصودة بأجهزة المراقبة والحرس المدججين بالأسلحة الغريبة. اقترب من أحد الشبابيك ليجد نفسه وسط فضاء لا نهاية له – حينها تأكد انه قد تم خطفه من الارض واخذوه معهم الى كوكب بعيد يجهل مكانه

جلس على ارضية المركبة وراح يبكي كثيرا. لكن رجال حرس القاعة حملوه الى غرفته واغلقوا الباب عليه ..

مرت عليه ثلاثة ليال ولم يذق فيها طعم النوم البتة وفي نهار اليوم الرابع سقط مغشيا عليه بسبب انخفاض ضغط دمه نتيجه تناوله للسوائل فقط وراح يغط في نوم عميق. تذكر عائلته وعدد من اصدقاءه وحاول ان يهرب من المركبة ولكن ابوابها المغلقة والمسافة الفاصلة بين كوكب الارض والكوكب الجديد شاسعة جدا تتخللها المخاطر المحدقة اجبرته ان يغير رايه ويصبر على محنته التي كبلت أرجله بالأصفاد والسلاسل

عندما عاد اليه وعيه وجد نفسه نائما على فراشه والانابيب متصلة بشرايين يده لتمده بالغذاء والسوائل. رفع الانابيب المتصلة به وسار نحو الباب للبحث عن ذلك الشخص الذي خطفه من الارض وابعده عن كل ما يحب.. وعند فتحه الباب تفاجئ به- وطلب منه القدوم معه للاجتماع برئيس الفريق

كانت القاعة مليئة بالعديد من الاشخاص ذوو الوجوه المفلطحة والاطوال القصيرة والعيون التي تشتعل وتنطفأ كالمصابيح- رحب كبيرهم بالقادم من الارض وطلب منه المشاركة في مشروعهم الجديد الذي يخص غزو الارض والسكن فيها واعطاءه ما يريد من المنافع ومشاركتهم في حكم الأرض.

وجد جميل ان العودة الى الارض فرصة للهرب منهم فسمحوا له ان يكون ضيفا مهما باستطاعته الدخول الى اي مكان يريد – فبينما كان يسير بين الممرات توقف امام احدى الغرف الكبيرة وكانت تستعمل للاتصالات والتنصت على الفضاء الخارجي دخل إليهم ليشاهد بأم عينيه الاجهزة المستخدمة والبرقيات المستلمة ومع من يتحدثون وماهي اللغات التي كانوا يتحدثون بها مع جواسيسهم في الكواكب البعيدة.

كانت لغات مبهمة لا يعرف كنهها – ولكن الذي لفت انتباهه هو ان عامل الاتصال راح يتكلم مع الجاسوس الارضي بواحدة من لغات سكان الارض.. صحيح انه يجهلها. ولكنه شك ما بين اللغة الصينية او اليابانية. اقترب من عامل التنصت كثيرا واستطاع ان يسجل جزءا من المحادثات الجارية بينهم وقام بخزنها في برنامج التسجيل الموجود في جهازه النقال وعند عودته الى غرفته وضعها في جهار تمييز اللغات فاتضح ان ذلك الجاسوس مصدره الصين .

في اليوم التالي قام جميل بتقديم تقارير عديدة تخص طوبوغرافية الارض واهم الامكنة التي تصلح ان تكون مقرا لقيادة الغزاة الفضائيين وعند مطابقتها مع خبراء الفضائيين وجدوا تطابقا واضحا في المعلومات وزودهم بما يعرفه عن اسلحة اهل الارض فازدادت ثقتهم به واجلسوه في غرفة القيادة كقائد جديد.

بعد ان اعلنوا ساعة الصفر وتحرك قواتهم المتكونة من عشرات المراكب المختلفة – صوب الارض قاطعة المسافة بعدة اسابيع والنزول في المكان الذي تم تحديده… عندما هبطت مركبة القيادة على الارض كان جميل اول الهابطين على الارض الام – بينما راحت المراكب الاخرى تحوم حول مكان الهبوط – فرح جميل كثيرا وكانت فرحته تشبه فرحة طفل ضائع التقى بامه. وراح يسجد لله شكرا على عودته وعلى هبوطه خارج حدود مدينته التي ولد فيها.

استطاع الغزاة الفضائيين ان يقوموا بالاتصال برؤساء دول العالم العظمى والكبرى- بعد ان عطلوا اسلحتهم التي كانوا يتبجحون بصلف وتكبر بها على ابناء جنسهم.

أمر قائد القوة الغازية مهاجمة العواصم المهمة بأسلحتهم العجيبة التي تستطيع تغيير سلوك البشر وفق ما خطط له الغزاة ليكونوا جنودا مطيعين لهم وتدمير ما يعجبهم من المدن الاخرى التي يجدونها زائدة وغير ذات فائدة فاطلقوا اسلحتهم صوب اغلب مدن العالم وتم تحقيق هدفهم بسرعة مذهلة ثم اشار مساعد القائد على تدمير بيوت المدينة التي هبطت عليها المركبات الضخمة لتكون مقرا لقاعدتهم الرئيسة على كوكب الارض- لكن هذا التصرف يعني ان بيته وجميع بيوت المحلة التي يسكن فيها ستكون ضمن المناطق التي سيتم تدميرها ومسحها من الخريطة.

فكر جميل ان يقوم بأجراء سريع ينقذ بيته وابناء منطقته فهرول امام الجميع وعطل العقل الرئيسي لجهاز الاطلاق ثم توارى عن الانظار وبعد ان كشفوا خيانته امر القائد بملاحقته والقاء القبض عليه بإرسال العديد من الطائرات المسيرة وراءه. لكن مهمتهم فشلت بالعثور عليه بعد ان نجح بالتخلص منهم واختفاءه بين الأشجار العالية وبعد حلول الظلام راح يزحف على بطنه حتى وصل الى بيته. وحالما دخل. راح يصيح بأعلى صوته امي لقد عدت اليكم بعد فراق طويل- احذروا رجال الفضاء الذين وجدوا لهم موطأ قدم على الارض سيقتلوننا جميعا دافعوا عن انفسكم وعن ارضكم.. الا تبا للغزاة. وكذا ذلك البروفيسور الحاقد الذي تمكن من خطفي من دون سبب..

انتبهت الام وصحت من نومها العميق راكضة الى غرفة ولدها جميل تبعها والده ثم اخوته – انارت مصابيح الغرفة ووجدته فوق فراشه يرتجف مذعورا خائفا من شدة القلق الذي سببه ذلك الحلم المزعج .

جلست الام بالقرب من ابنها وراحت تضمه الى صدرها وتطمئنه بان ما حدث – هو مجرد كابوس مزعج ناتج عن التوتر والقلق بسبب الدراسة المضنية – وقالت له وهي تبكي – بني عد الى وضعك الطبيعي والا ستتفاقم حالتك وستدخل في مرحلة الاكتئاب والقلق. حينها سيكون النوم عندك حلم صعب المنال- بسبب خوفك من مواجهة حلم اخر مزعج

قد يعجبك ايضا