السلطة كالثعابين مهما غيرّت جلدها، تحتفظ بالسِمْ. قال ملا مصطفى لنفسه”

اعداد: عدنان رحمن

                    في بيروت- لبنان في العام 2025 صدرت الطبعة الاولى من رواية بعنوان ( آخر معارك الجنرال) للاستاذ ( جان دوست) عن دار النهار للنشر. ش. م. ل. التي اورد في صفحة المحتويات:

الكتاب الاول: شجرة البلوط الهرمة.

الكتاب الثاني: گَ نجْ خليل.

الكتاب الثالث: ملحمة الــ 500.

الكتاب الرابع: المعركة الأخيرة.

           أما العنوان فهو من مقطع لصورة بالرقم 55من الرواية، التي وردت في الكتاب الرابع المذكور أعلاه، وذلك بعد ان جعلها مقاطع صورية حدّد لها ارقام، وفي جزء من الصورة المرقمة 60 و 61 في الكتاب الرابع من هذه الرواية ورد ما يلي فيما يخص البارزاني الخالد والصلة الحميمية بينه وبين اولاده خصوصا الراحل ادريس، والرئيس مسعود رئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني:

– ” استمر محمد سعيد دوسكي في التمعن في وجه الجنرال الذابل بينما سافر بخياله إلىسنوات غابرة. تذكّر حين جاء الجنرال للمرة الأولى إلى مستشفى مايو كلينيك. حينذاك سيطر خوف غير قليل على الدبلوماسي والمترجم الذي سيلازم الجنرال حتى نهاية الرحلة. أدرك الجنرال المريضمدى خوف مترجمه وقلقه. أمسك بيده وقال له برقّة:

يا أخي محمد سعيد. أعرف ماذا قال الأطباء وأعرف ممّ تخاف وعلام تقلق. لا يمكن منع الموت إذا جاء. وهو طريق يسلكه جميع بني البشر. هل تصدق أنني عشت سنوات من حياتي كل سنة تعادل عشر سنوات عادية؟ مرّت عليَّ أيام لم يكن بمقدور الحجارة تحمل مشقاتها. وفي كثير من المرات كان الموت يأتي إلى بابي، يصبح قريباً جداً مني، أراه ويراني لكنه كان يعود في كل مرّة. أنا لا أخاف أبداً. ولدي إيمان راسخ بأن المرء لا يموت إن لم تَحِنْ ساعته. من يؤمن بالله لا يهاب الموت.

وصار يُعدد محاولات الاغتيال التي طالت ولديه إدريس ومسعود وطالته هو أيضاً عدة مرات.

كان صدام يوقّع معنا اتفاقاً في النهار وفي الليل يُخطط لاغتيالنا.

صمت قليلاً. أسَب جفنيه كمّن يجمع الذكريات برموشه وسرعان ما رفع رأسه وقال:

كنتُ في حاجي عُمَران حدث ذلك قبل خمسة أعوام. أرسلت الحكومة مندوبيها للتباحث معي وفتح آفاق جديدة للحوار. كانوا رجال دِين. رحبت بهم واستقبلتهم. وقبل أن أنتهي من كلمات الترحيب سمعت صوت انفجار. لم أعرف ما الأمر. ذُهلتُ… امتلأ المكان بالدخان ورائحة المتفجرات والفوضى. لاحقاً عرفنا القصة كانت مع الوفد آلة تسجيل مفخخة. وقيل لي إنهم يريدون تسجيل وقائع اللقاء. وما إن ضغط أحدهم على زر التسجيل حتى انفجرت الآلة به وبنا جميعاً ولم أعد أتبين شيئاً. لم يكن معي من طرفنا سوى أحد المقاتلين من الذين رافقوني إلى الاتحادالسوفييتي واسمه سليم زبير بروجي والدكتور محمود عثمان. لم أعد أسمع شيئاً في اللحظات الأولى بسبب قوة الانفجار. ثم سمعت صوت الدكتور محمود: هل أنت بخير يا سيدي؟ نعم. الحمد لله. لكننا لم نسمع صوت سليم. سليم يا سليم. قال الدكتور بحزن: لقد أسلَمَ الروح. كذلك كل أعضاء الوفد. هل تصدق أن ذلك الانفجار وقع في محيط الطاولة التي اجتمعنا حولها؟ لم نَنْجُمنها إلا بإرادة الله. لقد ولدنا تحت أزيز الرصاص وكبرنا وسط المعارك يا أخ محمد سعيد. لم أكن أهتم بموضوع الموت بقدر رأس إبرة. والآن بعد أن وصلت إلى هذا العمر لا يليق بي الخوف من الموت لو أصبح الموت خنجراً لتمنطقت به. ألا يقولون لو خاف الذئب من المطر لارتدى عباءة؟.

 

 

 

صحيح يا سيدي.

ردّ محمد سعيد مبتسماً. نظر الجنرال إلى وجهه من دون أن يتكلم ثم نهض وذهب إلى النافذة فأزاح الستارة الزرقاء وصار يُحدّق في الخارج. كان المطر يهطل والمارة يحملون المظلات ويمشون مسرعين. تعالى صوت المياه التي تقذفها عجلات السيارات المسرعة. قال الجنرال من دون أن يلتفت:

أنت تعرف ما هو معنى بيشمركة بطبيعة الحال الذي يجابه الموت. وأنا عنصر بيشمركة يا محمد سعيد حملت السلاح وأنا فتى صغير. لا أتذكر كم هي المرات التي واجهت فيها الموت. دخلت حلبات المصارعة مع الموت وغلبته مرات كثيرة. أنا لا أهاب الموت أبداً. لكنني أخشى أن أموت على سرير في المستشفى. هذا هو الموت الذي أحسب له ألف حساب.

                                                ***

الآن يرقد ذلك الرجل الذي لم يحسب للموت أي حساب، يواجه الموت الذي كان يخشاه. يخوض، وهو في السادسة والسبعين من العُمُرْ معركة شرسة مع الموت. يقف ذلك الجنرال العجوز وجهاً لوجه مع الموت. إنها معركته الأخيرة. يخوض غمارها وحيداً بعيداً عن الجبال قريباً من نهر غريب وتحت سماء غريبة في غرفة صغيرة تفوح في جنباتها رائحة العقاقير خائر القوى، راقداً على ظهره يلوح ضعيفاً مثل شمعة توشك على الانطفاء لكن ذاكرته أشد اشتعالاً من جمرة.

                                          61

قبل ثلاثة أعوام جاء الجنرال إلى روتشسر ليتعالج في مستشفى مايو كلينيك. نزل هو ومرافقوه في فندق غراند كاهلر.

في أي يوم من الشهر نحنُ يا محسن؟

سأل الجنرال من مرافقه محسن دزيي في اليوم الأول من وصولهم بعد أربع عشرة ساعة من الطيران المستمر، أجاب محسن:

نحنُ في التاسع عشر من حزيران يا سيدي.

تنهد الجنرال وقال:

يُصادف اليوم ذكرى سوداء. قبل تسعة وعشرين عاماً من الآن وبعد أن وصلنا إلى الاتحاد السوفييتي بعد مسير شاق وطويل، أعدمت السلطات العراقية أربعة من الضباط الذين كانوا معنا في جمهورية مهاباد وعادوا مع الشيخ أحمد.

                                                 ***

في اليوم التالي صباحاً توجه الجميع إلى مستشفى مايو كلينيك. وعلى مدى ساعتين أجرى الأطباء فحوصات وتحاليل للجنرال المريض الذي كان يتنقل من غرفة إلى أخرى.

مستحيل مستحيل.

قال الدكتور جيمس ماكفيرسون وهو ينظر باندهاش في صور السينية ويقرأ نتائج تحاليل الدم.

ما الأمر دكتور ماكفيرسون؟

سأله مسعود بقلق.

إنها معجزة. لا أثر للسرطان. لقد اختفى المرض.

انفرجت أسارير مسعود. نظر إلى محسن دزيي بوجه مستبشر ثم نظر إلى وجه والده فلم يجد فيه علامات الفرح. قال محسن:

مُبارك يا سيدي. يقول الطبيب إنه لم يَعُد للسرطان أثرٌ في جسدك.

لم يجب الجنرال وكأن الخبر لا يهمه كثيراً. ابتسم قليلاً ثم قال:

قبل عام حين يئس الأطباء خفتم. والآن سررتم بكلام الطبيب. اعلموا أنه إن لم تَحِنْ ساعة أحدنا فلن يموت. هذا ما يقوله ديني وعقيدتي. يقول الله في كتابه: ( وإذا جاء أجلهم لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون). وأنا سأموت على أيّة حال في يوم من الأيام. إن لم يكن اليوم فغداً.

لكَ العُمرُ الطويل يا سيدي.

قال محسن بينما أمسك مسعود يد أبيه وعصرها بمحبة، لمعت الدموع في عينيه. ثم غادر الجميع المستشفى بسرور وساروا إلى فندق غراند كاهلرعبر نفقٍ للمشاة. قال ملا مصطفى:

إنّ حالي كحال رجل يحرث أرضاً ويسعى لكي تكون حراثته على أحسن ما يكون ربما كان محراثى سيئاً، ربما كانت الأرض قاسية لكننيحاولت جهدي أن يكون عملي على أكمل وجه. وعلى الذين يأتون بعدي أن ينتبهوا جيداً لكيلا يعيدوا أخطائي. وإن رأوا مني عملاً حسناً فليتخذوه نهجاً لهم يسيرون عليه.

صمت قليلاً، ثم ضحك ضحكة خافتة وواصل كلامه:

لقد طمأننا الطبيب. أليس كذلك؟ إذن يحق لي أن أدخن. ألا تشترون لي علبة سجائر؟.

التدخين يُضِّرُ بصحتك يا أبي.

هذا كان قبل عام يا ولدي عندما ادعّى الأطباء أنني لن أعيش سوى بضعة أشهر. والآن سمعت بأذنيك ما قاله الدكتور جيمس لا أثر للسرطان. هذا يعني أنني أستطيع أن أدخن.

– لكن……

لكن ماذا؟ في كَرَجْ كان إدريس يمنعني من التدخين وهنا أنت. لا أحد يعيش مثل ما عاش نوح يا ولدي يا مسعود.

وصار يضحك ثم مشى عدة خطوات بصمت ليقول بعد ذلك:

في زماننا حين كان الولد يشب عن الطوق كان يدخل عالم الرجال عن طريق التدخين. أتذكر أن خالي أحمد آغا بيرسيافي لفّ لي السيجارةالأولى وقدمها لي. كنا في رحلة صيد على سفح جبل شيرين وكنت في عُمر سيهاد. يعني في حدود الثانية عشرة. وها أنا دخنت ستين عاماً. ومَن تعودت رئتاه على رائحة البارود والانفجارات لن يموت بسبب التبغ.

                                                  ***

بعد عدة أيام، ذهب الجنرال مع ولديه مسعود وسيهاد ومحسن دزيي وجمال مبيني رجل السافاك الذي لا يفارقهم إلى منزل الدكتور جيمسماكفيرسون في روتشستر تلبية لدعوته. استقبلهم الطبيب الأمريكي بابتسامة واسعة وكلمات ترحيب حارة. كانت عطلة نهاية الأسبوع وكان الطقس جميلاً. جلس الضيوف ومضيفوهم في حديقة المنزل المزدانة بأنواع الزهور والورود وبدأوايتحدثون في مواضيع شتى بينما ذهب سيهاد وأحد أبناء الطبيب إلى لعب الكرة.

على سيهاد أن يمارس الرياضة قدر الإمكان وسينخفض وزنه بضع كيلوغرامات خلال شهر.

قال الطبيب ذلك وهو يضع الشاي أمام ملا مصطفى.

ثم قال مسعود وهو يعرض فكرة رحلة ترفيهية إلى سان فرانسيسكو:

نريد أن يبتعد أبي عن أجواء المستشفى والعلاج قليلاً.

وعَن أجواء السياسة أيضاً، قال الجنرال مبتسماً وهو ينظر إلى وجه طبيبه.

ترجم محسن الجملة للطبيب فضحك ووضع كأس الشاي على طربيزة كانت بقربه ثم قال مؤكداً:

– نعم. وعن السياسة أيضاً.

وواصل كلامه:

قرار جيد يا سيد مسعود طقس تلك المناطق رائع ويناسب رئتي الجنرال بارزاني سوف تشاهدون الحدائق العظيمة. وهناك جبال شاهقة سيُسَرْالجنرال لرؤيتها كثيراً.

ترجم محسن دزيي العبارة للجنرال الذي كان يحمل كأس الشاي، فتنهد وقال:

وما الفائدة من الجبال إن لم تكن بندقية البرنو معي! لا أتخيل وجودي بين الجبال إلا وبندقيتي على كتفي وأنا أرتدي ثياب البيشمركة. لا تناسُب مطلقاً بين طقم رسمي وربطة عنق والجبال يا دكتور جيمس.

ضحك الطبيب وزوجته بعد سماع الترجمة. قالت الزوجة بأدب:

الجبليون محاربون شجعان بطبيعتهم. لكن السياسة لا تنضج إلا في المدن الجبال للمعارك والمدن للسياسة.

وأنا قضيت حياتي أتردد بين الجبال والمدن. لقد علمتني تجارب الحياة أن من لا يجيد القتال لا يجيد السياسة أيضاً. أقصد في بلاد شعبهامضطهد مثل بلادي. قضيتنا ليست قضية ديمقراطية وانتخابات. قضيتنا هي الحرية والحرية لا تأتي إلا عبر فوهة البندقية.

ساد الصمت بعد ترجمة ما قاله الجنرال العجوز.غمرت موجة الصمت جميع الحاضرين وغرقوا في التفكير. ثم روى الطبيب قصة تَعرَّفَهُ على الجنرال الكوردي قائلاً:

حين شاهدتُ مريضي في المرة الأولى قلت في نفسي أنا أعرف هذا الرجل. لقد شاهدته في مكان ما. كانت تلك أول مرّة يأتون به إلى مايو كلينيك وصرت أفكر أين رأيته؟ مَن هو؟ حتى عرفت أنه الجنرال ملا مصطفى بارزاني، وأنني رأيت صورته في مجلة ناشيونال جيوغرافيك. لَمْ أصدق ما تراه عيناي وحين ذهبت إلى البيت وطالعت نسخة المجلة ورأيت صورته تيقنت أن مريضي هو الجنرال بارزاني. إنني فخور بصداقتك أيها الجنرال وفي الحقيقة فإنه شرف كبير لشخص مثلي أن يُشرف على علاجك.

شکره ملا مصطفى ثم ابتسم في وجهه قائلا:

في اليوم التالي أتيت بالمجلة ووقعتُ لك على صورتي.

نعم. وما زلت أحتفظ بتلك النسخة في البيت.

ثم نهض الطبيب ودخل المنزل ليأتي بعد قليل بالمجلة ويُريها للضيوف“.

قد يعجبك ايضا