المجتمع المدني والشراكة مع الدولة

 

​إعداد ـ التآخي

المجتمع المدني هو المجال الذي يعمل فيه الأفراد معا بشكل طوعي لتنظيم أنفسهم وتحقيق مصالحهم وقيمهم المشتركة، يشمل هذا القطاع المنظمات غير الحكومية، والجمعيات الخيرية، والنقابات المهنية، وغرف التجارة، والمؤسسات البحثية، وحماية البيئة، وغيرها من المجموعات التي تعمل بشكل مستقل عن الدولة والقطاع الخاص؛ ومنظمات المجتمع المدني ضرورة حضارية تؤشر تقدم الشعوب ونهضتها وتقدمها، وتعتني الدول بموضوعة تأسيسها ودعمها بسن القوانين والانظمة والتشريعات التي تساعدها في بناء هيكلها الاداري.

​الشراكة مع الدولة تعني العلاقة التفاعلية والبناءة بين مؤسسات المجتمع المدني ومؤسسات الدولة (الحكومة الاتحادية، الحكومات المحلية والاقاليم، والقطاعات الوزارية) بهدف تقاسم المسؤوليات والموارد والخبرات لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتعزيز الديمقراطية، وحل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية.

آليات التعاون بين المجتمع المدني والدولة

​تتعدد الأساليب التي يمكن بوساطتها للمجتمع المدني والدولة أن يتعاونا بشكل فعال، وأبرزها، ​صناعة السياسات العامة، بالمشاركة الاستشارية، وذلك عن طريق إشراك منظمات المجتمع المدني في لجان الحوار الوطني أو الاستماع لرؤاها قبل صياغة القوانين والسياسات.

​وأيضا يجري ذلك بالمناصرة والدعوة، عن طريق قيام المجتمع المدني بتقديم مقترحات محددة والتأثير على مسار اتخاذ القرار لدفع الدولة نحو تبني سياسات معينة (مثل قوانين حماية البيئة أو مكافحة الفساد).

​​اما التنفيذ العملي فيتضمن قيام منظمات المجتمع المدني بتنفيذ برامج ومشاريع على الأرض، غالبا في مجالات لا تستطيع الدولة الوصول إليها بالكفاءة نفسها (كالخدمات الاجتماعية في المناطق النائية أو حملات التوعية)؛ ويتضمن ذلك توفير الدولة أو الجهات الدولية تمويلا لبرامج تنفذها منظمات المجتمع المدني.

​​ يقوم المجتمع المدني بـمراقبة أداء الحكومة وتنفيذها للخدمات والبرامج، مما يعزز الشفافية والمساءلة، كما يقوم بتجميع ونشر بيانات دقيقة ومستقلة بشأن قضايا معينة لتوجيه القرارات الحكومية.

​وفي مجال بناء القدرات وبوساطة ​التدريب والتوعية تسهم منظمات المجتمع المدني في نشر ثقافة الديمقراطية والمشاركة وحقوق الإنسان بين المواطنين، ​وتستفيد الدولة من خبرة منظمات المجتمع المدني المتخصصة في مجالات محددة.

و​برغم أهمية الشراكة، إلا أنها تواجه عديد التحديات التي قد تعوق فعاليتها، منها، التوجس وعدم الثقة، وتواجد حالة من التخوف والريبة بين بعض أجهزة الدولة ومنظمات المجتمع المدني، اذ تنظر الدولة أحيانا إلى المنظمات كمنافس أو جهة معارضة، مما يعوق التعاون المفتوح.

ومن المعوقات القيود القانونية والمالية بتواجد تشريعات مقيدة تحد من حرية تأسيس وعمل وتمويل منظمات المجتمع المدني، لاسيما تلك التي تعمل في مجالات الرقابة والدعوة (المناصرة).

ومن مظاهر التحديات التبعية والاحتواء بمحاولة الدولة احتواء منظمات المجتمع المدني وجعلها أدوات تنفيذية لبرامج الحكومة من دون إتاحة دور حقيقي لها في صناعة القرار أو الرقابة.

ومن المشكلات أيضا ضعف القدرات المؤسسية بافتقار بعض منظمات المجتمع المدني إلى الاحترافية الكافية، أو القدرة على الإدارة الفعالة للمشاريع الكبيرة، أو ضعف الشفافية الداخلية لديها. كما يبرز نقص التمويل المستدام لمنظمات المجتمع المدني، أو اعتمادها المفرط على مصادر تمويل أجنبية، مما يثير حساسيات لدى الحكومات.

وثمة إشكالية التجزئة والتنافسية بغياب التنسيق بين منظمات المجتمع المدني نفسها، ووجود تداخل أو تنافس بينها، مما يقلل من تأثيرها المشترك.

ولكن تظل الشراكة بين المجتمع المدني وجهاز الدولة هي أساس الحكم الرشيد والديمقراطية التشاركية، وهي تتطلب الالتزام بالشفافية والاستقلالية من جانب المجتمع المدني، وبناء الثقة وتوفير البيئة القانونية الداعمة من جانب الدولة.

 

دور منظمات المجتمع المدني في التنمية المحلية

​تؤدي منظمات المجتمع المدني (CSOs) دورا حيويا ومحوريا في دفع عجلة التنمية على المستوى المحلي، وغالبا ما تكون هي الجهة الأكثر قربا ومعرفة باحتياجات المجتمعات وقدراتها الفعلية؛ يتركز دورها في جوانب كثيرة، من أهمها، تحديد الاحتياجات وتعبئة الموارد بالاستشعار والتشخيص، اذ تتميز المنظمات المحلية بقدرتها على تحديد المشكلات الحقيقية والأولويات التنموية للسكان (مثل الحاجة لمدرسة أو مركز صحي)، وجمع البيانات محليا.

 

 

​كما تقوم بتعبئة الموارد، اذ لا تقتصر على جمع التبرعات النقدية، بل تشمل أيضا تعبئة الموارد البشرية (الجهود التطوعية)، والموارد العينية (المواد الخام، الأراضي، إلخ)، مما يقلل من العبء المالي على الحكومات.

كما انها تقدم الخدمات التكميلية والمبتكرة بسد الفجوات، اذ تملأ المنظمات الفراغ الذي لا تستطيع الحكومة تغطيته بكفاءة، بخاصة في المناطق النائية أو الفئات المهمشة، عبر تقديم خدمات التعليم غير النظامي، أو الرعاية الصحية الأولية، أو الدعم النفسي والاجتماعي.

​وتبرز منظمات المجتمع المدني في ريادة الأعمال الاجتماعية، اذ تطلق برامج مبتكرة ومشاريع صغيرة مدرة للدخل، وتدريب الشباب والنساء على الحرف والمهارات المطلوبة لسوق العمل المحلي، و تعزيز المشاركة المجتمعية والتمكين انطلاقا من دورها كوسيط ومحفز، اذ​ تعمل كجسر بين السكان والسلطات المحلية، وتشجع الأفراد على المشاركة الفعالة في صنع القرار المحلي (مثل مجالس الأحياء أو البلديات).

​وتُعنى المنظمات بـبناء قدرات الأفراد والمجموعات المحلية، وتزيد من وعيهم بحقوقهم وواجباتهم، وتدعم تشكيل لجان رقابة مجتمعية، و تقوم بمراقبة و متابعة تنفيذ المشاريع الحكومية المحلية (كالطرق، أو شبكات المياه)، والتأكد من جودة التنفيذ والالتزام بالجداول الزمنية.

​وتسهم في مكافحة الفساد بدورها في تعزيز الشفافية في استخدام الميزانيات المحلية وتكون بمنزلة عين المجتمع على المال العام.

 أمثلة وعبر من النجاح

هناك عديد الأمثلة العالمية التي تظهر قوة المجتمع المدني في التنمية والبناء الوطني، ففي الهند جرى تشكيل الحركة التعاونية و “بنوك النساء، فنجحت​  الحركات التعاونية (مثل حركة الألبان في غوجارات التي أسست منظمة أمول) في تمكين ملايين المزارعين الصغار والنساء اقتصاديا، وتحسين سبل عيشهم بشكل جذري عبر تنظيم الإنتاج والتسويق.

​ومن ذلك (جمعية العاملات لحسابهن الخاص)، وهي منظمة ضخمة أسست عام 1972، وتعمل كـنقابة وتعاونية وبنك نسائي في آن واحد، وهي تمثل ملايين النساء ذوات الدخل المنخفض في القطاع غير الرسمي، وقد نجحت في توفير الأمن الاجتماعي، وخدمات الإقراض الصغير، والتدريب، مما اسهم بشكل كبير في تخفيف الفقر على المستوى المحلي.

وفي البرازيل كانت منظمات المجتمع المدني (كالجمعيات المحلية والاتحادات العمالية) هي القوة الدافعة وراء تطبيق انموذج الميزانية التشاركية في مدينة بورتو أليغري.

​وسمح هذا النموذج للسكان، عبر منظماتهم، بالمشاركة المباشرة في تحديد كيفية إنفاق جزء من الميزانية العامة للمدينة؛ وقد أدى هذا إلى تحويل الأموال إلى مشاريع تخدم الأحياء الفقيرة والمهمشة بشكل أكبر، مما رفع مستوى الخدمات والبنية التحتية المحلية بشكل ملحوظ.

وفي بنغلاديش، فان بنك جرامين(Grameen Bank) ​  هي مؤسسة رائدة في التنمية المحلية والاجتماعية أسسها محمد يونس.

​ركز بنك جرامين على الائتمان الأصغر (القروض الصغيرة)، وقدمها لملايين الأشخاص، بخاصة النساء، في المناطق الريفية. هذا النظام مكنهم من بدء مشاريع صغيرة وتحسين أوضاعهم الاقتصادية، مما أدى إلى تمكين المرأة وتخفيض الفقر على نطاق واسع في بنغلاديش، وغالبا ما كان يجري تنظيمه عبر مجموعات صغيرة من النساء في القرى (منظمات قاعدية غير رسمية).

​هذه الأمثلة تؤكد أن المجتمع المدني ليس مجرد “جهة خيرية”، بل هو شريك أساسي في التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة.

وتؤدي منظمات المجتمع المدني دورا محوريا في نشر الوعي، ومناهضة العنف، والدعوة إلى السلام، بخاصة في أوقات النزاعات المسلحة. وقد برز هذا الدور بشكل واضح منذ نشأة هذه المنظمات في الدول الديمقراطية، لاسيما بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، حيث ساهمت في تعزيز القيم الإنسانية، ونشر ثقافة الحوار، والتأثير على صانعي القرار.

في المقابل، غالبا ما تُواجه منظمات المجتمع المدني بالعداء من قبل الأنظمة الديكتاتورية والشمولية.

وبحسب مؤشر جلوبال جورنال، بلغ عدد منظمات المجتمع المدني في العالم نحو 10 ملايين منظمة، وتؤدي هذه الكيانات اليوم دورا فاعلا في معالجة آثار النزاعات، وتقديم الدعم للضحايا، والدعوة إلى وقف الحروب، عبر تنظيم الحملات، وفضح الجرائم، والتأثير في الرأي العام المحلي والدولي.

وبرز هذا الدور في تجارب تاريخية وحديثة، ففي حرب فيتنام، لعبت الاحتجاجات الواسعة النطاق في الولايات المتحدة دورا أساسيا في إنهاء الحرب، بعد أن اسهمت منظمات مدنية وطلابية وحقوقية في تعبئة الشارع الأمريكي، والضغط على الحكومة لسحب قواتها.

وفي السياق المعاصر، شهد العالم في عام 2025 موجة احتجاجات شعبية واسعة في كل من الولايات المتحدة وبريطانيا، وغيرهما، للمطالبة بوقف الحرب على غزة.

ونظمت منظمات المجتمع المدني هذه التظاهرات بالتعاون مع اتحادات طلابية، ومؤسسات حقوقية، ومنصات إعلامية مستقلة، مما شكّل ضغطا شعبيا على الحكومات الغربية لإعادة النظر في دعمها غير المشروط للحرب، والمطالبة باتخاذ مواقف إنسانية واضحة تجاه معاناة المدنيين في قطاع غزة ورفح.

 

المجتمع المدني العراقي

 

لم تكن ولادة منظمات المجتمع المدني العراقي ولادة طبيعية وسهلة برغم تاريخ نشأة هذه المنظمات الذي يعود لبدايات القرن الماضي. لقد شهدت المرحلة التي أعقبت احداث عام 2003 تأسيس المئات من منظمات المجتمع المدني في عموم العراق مع عدم فعالية بعضها، وقدمت المنظمات الدولية التي عملت في العراق بعد التغيير العون والمساعدة لإعداد كبيرة من المنظمات تمثلت بالتدريب وإعداد ملاكات المنظمات في دورات داخل البلد وخارجه، وتمويل البرامج والأنشطة التي اسهمت بشكل ملحوظ في بناء هذه المنظمات.

ويمكن القول ان منظمات المجتمع المدني في العراق، استطاعت تأدية أدوار مهمة وأساسية شملت تقديم المساعدات الإنسانية لضحايا الحرب واعمال العنف وتوفير الدعم القانوني للفئات المهمشة والمستضعفة ونشر وترسيخ مبادئ السلام والتعايش السلمي وثقافة حقوق الإنسان والمساواة في النوع الاجتماعي وتمكين المرأة ومكافحة الفساد ومراقبة الانتخابات البرلمانية ومجالس المحافظات، وغيرها الكثير من المواضيع.

لكن وبرغم هذه الأدوار المهمة واجهت عديد منظمات المجتمع المدني العراقي كثير من المشكلات والتحديات والمصاعب نتيجة للوضع السياسي والأمني الذي مرت به البلاد وانحسار مصادر التمويل النزيه الذي يشكل عصب الحياة لهذه المنظمات والفساد المالي الذي نخر مصداقية بعضها.

ان بناء منظمات المجتمع المدني في العراق تطور بشكل بطيء جدا مع تأريخ نشأتها الطويل، فكانت للأحزاب والتيارات تجمعات وواجهات لكل شرائح المجتمع العمال والفلاحين والطلبة والمهن الأخرى، لكن تكمن مشكلتها في التسلط والالتزام الايديولوجي الذي عطلها عن حرية الحركة، ومع ذلك كان لها دور في ثورات وانتفاضات وتظاهرات المرحلة؛ وحتى تنجح المطلوب مزيد من  الدور التثقيفي والاعلامي لتأخذ دورها الفعال في تبني مصالح وحقوق الناس بغض النظر عن قبول الحكومات او الاحزاب الداعمة لها، والشفافية لبرامجها وتوجهاتها السياسية.

 وبالعودة الى التاريخ، تشير الوقائع الى ان مؤسسات المجتمع المدني في العراق قديمة وليست بنت الحاضر فمن عام 1921-195  تطورت مكونات المجتمع المدني الحديث في العـراق منذ إصلاحات مدحـت بـاشـا (1872)، وتواصلت في العهد الملكي (1921-1958)، بوتيرة متسارعة، وكانت في الواقع عملية تحديث لمجتمع زراعي انتقل من أشكال التنظيم القرابية التقليدية، كالقبائل والعشائر، وبيوتات الأشراف والأعيان، والأصناف الحرفية، إلى مجتمع يعتمد معايير الثروة والتعليم الحديث، من دون أن يفقد ماضيه التقليدي بالمرة؛ فهو مجتمع انتقالي، تتجاور فيه الطبقات الحديثة، مع الفئات التقليدية، وتقع بين الاثنتين فئات وسيطة تحمل شيئا من هذا وذاك.

 ترعرعت طبقة من التجار والصناعيين والمصرفيين والمقاولين في قطاع خاص، على أساس اقتصاد السوق، وباتت قوة مجتمعية يحسب لها حساب؛ كما نشأت، قبلها، طبقة قوية من كبار ملاك الأرض.

 العهد الجمهوري لغاية عام 2003 شهد عدم الاستقرار السياسي الذي تمثل بالاغتيالات السياسية والانقلابات المتعددة، وتحولات أدت الى تغييرات في النظام، وأعاقت بشكل كبير تنمية المجتمع المدني في هذه المرحلة.

 ان مصطلح العهد الجمهوري مضلل في الواقع. اذ هيمنت السياسة العسكرية على العراق طوال هذه المدة، وقد جرى تقديم القليل القليل في مجال تطوير المؤسسات الديمقراطية أو استعادة المجتمع المدني العراقي؛ و مع كثرة وتعدد منظمات المجتمع المدني وتنوع نشاطاتها ألا انها لم تقم  بدورها بشكل فعال في ازالة مخلفات نتاج سنين طويلة من المعاناة التي عاشها الانسان العراقي في المراحل السابقة، اذ كان هدف كثير من هذه التجمعات هو الربح المادي على حساب النشاط النوعي؛ ومع الاهتمام الكبير من قبل السلطات ألا اننا لم نلحظ فعلها الانساني على الارض.

 ويمر العراق حاليا بعمليتين مترابطتين، ونعني بهما، بناء أسس المجتمع المدني والتحول نحو الديمقراطية برغم المخاطر والتحديات التي تواجه هاتين العمليتين؛ والصلة بين العمليتين قوية، بل أنهما أقرب إلى أن تكونا عملية واحدة من حيث الجوهر، ففي الوقت الذى تنمو فيه التكوينات الاجتماعية والاقتصادية الحديثة وتتبلور، فإنها تخلق معها تنظيمات مجتمعها المدني التي تسعى بدورها إلى توسيع دعائم المشاركة في الحكم.

قد يعجبك ايضا