هوس الشباب: الوقوف على حافة الضياع

عزيز ملا هذال

واحدة من أكثر المشكلات التي تهدد رسالة الإنسانبصورة عامة والشباب على وجه الخصوص هي حالةالهوس التي أصبحت ظاهرة في مجتمعنا العربيالإسلامي الذي هو ربما أكثر من المجتمعات الأخرىعلى اعتبار أن الكثير من الأشياء حلت عليهم حديثًاوبالتالي أصبح التعامل معه بإفراط مما يؤثر علىجوانب مهمة في شخصيتهم

مرحلة الشباب من أجمل مراحل الإنسان وأكثرهاإنتاجية، وفيها يُفترض أن يحقق الفرد بعض أهدافهويضع قدميه على جادة تحقيق باقي الأهداف تباعًا،وحين يخفق الشباب في وضع أهداف حياتية لهموالسعي في هذه المرحلة فإنهم سيفوتون علىأنفسهم الكثير من الفرص الحياتية، لكن الإدراكلهذه الحقيقة يخفى على الكثير من شبابنا للأسففيغوصون في عُباب عوالم خيالية مُرهقة لهم.

واحدة من أكثر المشكلات التي تهدد رسالة الإنسانبصورة عامة والشباب على وجه الخصوص هي حالةالهوس التي أصبحت ظاهرة في مجتمعنا العربيالإسلامي الذي هو ربما أكثر من المجتمعات الأخرىعلى اعتبار أن الكثير من الأشياء حلت عليهم حديثًاوبالتالي أصبح التعامل معه بإفراط مما يؤثر علىجوانب مهمة في شخصيتهم ومنها فقدان التوازنالذي يؤدي بدوره إلى انخفاض مستويات الصحةالنفسية التي لا تقل أهمية عن الصحة الجسمانية بلقد تتفوق عليها في أهمية الحفاظ عليها.

يُعرَّف الهوس على أنه: “حالة يتعرض فيها الشخصلتغيير في السلوك يؤثر تأثيرًا كبيرًا على أدائه،ويشير الهوس إلى حالة من المزاج المرتفع أوالعصبي بشكل غير طبيعي ومستمر مع تقلب فيالمزاج، وغالبًا ما يرافقه هياج أو فرط نشاط أو إفراطفي التفاؤل أو شعور بالعظمة أو تشتت وغيرها منالأعراض“.

يتفق الشباب رغم اختلافات مشاربهم وأجناسهموتوجهاتهم الفكرية والاجتماعية على سلوكيات هذهالظاهرة المرضية، حيث يعتقدون أنها حاجاتإنسانية يحتاجونها ويعملون من أجلها وليس فيهانوع من التهور أو الاندفاع اللامعقول، وبذا هميختلقون الحجج للاستمرار في القيام بسلوكياتهمليواجهوا الانتقاد الاجتماعي الموجه لهم من محيطهمالاجتماعي.

بينما يتفق المختصون في علم النفس والتربية وعلمالاجتماع على أن الهوس هو ما يدمر طموحاتالشباب ويقودهم للفشل، يُعتبر الهوس ظاهرة خطيرةتسيطر على عقول الشباب وتجعلهم يتخلون عنالعمل الجاد لمصلحة أحلام الكسب السهل التيتنتهي بالإفلاس والفشل في الواقع، وما أكثر الذينعصفت بهم هذه الرياح العاتية فألقتهم في وديانالضياع والحيرة والتفاهة.

المثير للجدل أن أغلب الشباب المهووسين هم منطبقة العاملين بمهن وصنائع بسيطة، إذ يقتل نفسهأسبوعيًا في ساعات العمل الطويلة ليؤمن قوت يومه،مما ولد لديهم قلقًا مستمرًا وهوسًا غريبًا بأشياءتحتاج إلى الكثير من المال والوقت لتحقيقها وبالتالييبقى يدور في دوامة من القلق والإحباط حين لا تأتيمساعيه أُكُلَها لجلب حاجة أو الحصول على أمريمدّه بالنتائج التي يتوقعها.

كما أن أغلب المهووسين أو جميعهم وفي سبيلتحقيق ما يريد يُقصِّر بحق عائلته، فهو مستعد لشراءساعة بمبلغ كبير جدًا بينما يحرم زوجته وأطفاله منأبسط حقوقهم، أو أنه يشتري سيارة فارهة وغاليةالثمن لكنه لا يصطحب عائلته فيها إلى مكان مالكونه لم يشتريها بالأصل لتقدم له خدمة التنقل بليريد أن يراه الناس بها كجزء من سطوة المظاهرالتي باتت تعطي مؤشرات مغلوطة للترف.

ما هي ضروب الهوس لدى الشباب؟

تسيطر على الإنسان المعاصر الكثير من ضروبالهوس وتبعده عن استقراره النفسي وتقوض مساحةراحته ومن أهم هذه الضروب هي:

1. هوس الثراء: الذي يجعل الشباب المهووسين بهيسلكون طرقًا وعرة في سبيل الوصول إلى حالة منالثراء ليس طلبًا للراحة أو مساعدة الأهل أو الإنفاقعلى من يستحق بل طلبًا للتميز والظهور بمظهرمختلف عن الآخرين تاركين خلفهم كل الاعتباراتالأخرى.

وما يجب على الإنسان أن يعمل على توفير ما يجعلهيعيش بمستوى العيش الكريم دون الحاجة إلىالناس، فحين يريد الإنسان أن يحصل على ما يوفرله ولعائلته متطلبات الحياة المستقرة ليس عيبًا لكنالعيب أن يتحول الإنسان إلى أشبه بآلة إنتاج النقودالتي لو تعطلت لم تعد تساوي شيئًا، وهذا حالبعض أصحاب المهن والوظائف التي ترتبط مِهنهمبحياة الناس.

2. هوس المقتنيات الباهظة: ومن ضروب الهوس التيتسيطر على عقول بعض الشباب هو هوسهم بشراءالملابس والساعات والعطور وجميع المقتنيات ذاتالمناشئ العالمية مرتفعة الأسعار بالمقارنة بالمقتنياتالأخرى والتي تؤدي ذات الغرض وربما تفوقالماركات العالمية، وبالتالي يكون الفرد فارغ المحتوىويرى أن قيمته من قيمة ما يظهر به أمام الناس.

وما يجب هو أن يستر الإنسان نفسه ولا يقصر عليهاوفق الحدود الطبيعية فلا يثقل نفسه بأعمال شاقةومؤذية ولا يضطر إلى الديون وغيرها من السلوكياتغير المنطقية في سبيل كسب أكبر قدر من المال،وهنا يجب أن يعي الإنسان أن قيمته ما يُحسِنه لا مايرتديه أو يقتنيه وحين تترسخ في نفسه هذه القناعةسيغادر سلوكية الهوس بهدوء ويعود ليرحم نفسهويريحها من تعبها.

3. هوس الوظائف الوجيهة: كما يذهب الكثير منالشباب باتجاه هوس الوظائف فيميلون بل يستقتلونفي البحث عن وظائف ذات سمعة جيدة حتى ولوكانت مُرتباتها عادية فالمهم هو أن يراه الناس فيذلك المكان أو يحمل هوية تعريفية من ذلك المكان أوأنه يمتلك سيارة حكومية وسائق وغيرها من مظاهرالأبهة والتصنع والمظاهر البراقة جوفاء المضمون.

وما يُفترض هو أن يبحث الإنسان عن الوظائف التيتكفيه ماديًا هو وعائلته أو من هم في مسؤوليته ويجدنفسه فيها من حيث ملائمتها له نفسيًا وماديًا وليسللاعتبارات الأخرى مكان في تفكيره، لكون مثل هذهالاعتبارات ستفوت عليه الكثير من الفرص لكونالفرص قد لا تأتي مفصلة على مقاسه فيبقى حبيسالدار فارغ الجيب لا يتمكن من توفير ما يحتاجهفيعيش حالة بؤس كبيرة تؤدي به إلى انخفاضمستوى الصحة النفسية وبعدها حتمًا ستتأثرصحته الجسمانية.

4. هوس السيارات الفارهة: ومن ضروب الهوس التيتسيطر على أنفس الكثير من الشباب هو هوسالسيارات، إذ تجد الكثير من الشباب يجهدونأنفسهم في أعمال شاقة وقد يلجئون إلى الكسبالحرام من أجل جمع المبلغ الذي يمكنه من شراءسيارة أحلامه والتي يقتنيها أحد المشاهير أو أنأصدقائه لديهم شبيهتها، ولا يهم التقصير فيجوانب حياتية مهمة فالمهم أن يراه الناس بهذهالسيارة التي يعدها تمثل حالة الرفاه التي يعيشهاتحت سطوة الوهم.

بينما يفكر الشباب بهذه الطريقة المشوهة حول شراءالسيارات مرتفعة الأثمان يُفترض أن تكون قناعته أنالسيارة هي وسيلة للتنقل وقضاء الحاجة للفردوللعائلة وليست وسيلة للتفاخر ولا الابتزاز العاطفيكما هو الحال بالنسبة لطلبة الكليات وسواهم منالشباب، وهذه القناعة ستعيدهم إلى رشدهم ليُعدّوابعد ذلك ترتيب أولويات حياتهم بعيدًا عن المظاهروالاعتبارات التافهة الأخرى.

5. هوس العطور الثمينة: وهوس العطور هو الآخرواحد من أكثر أنواع الهوس التي تصيب فئة منالشباب وتجعلهم يميلون إلى شراء العطور الثمينةالتي لا تناسب مستويات دخولهم، ومع كون العطورمن الأشياء المكملة لشخصية الإنسان والتي تزيدمن مقبوليته اجتماعيًا لكن ذلك ليس مبررًا لأن تحرقمبالغ كبيرة عليها لا لشيء بل ليقول من يشم العطرإنه فاخر وإن صاحبه متمكن ماديًا فما يبحث عنهالشاب في مثل هذه الحالة هو رضا الناس لا رضانفسه.

والمفترض أن يُجمِّل ويُعطِّر الإنسان نفسه ولا يبدوعليه ما يثير اشمئزاز المحيط الاجتماعي منهكالرائحة الكريهة وما شاكلها، لكن يجب الاعتدالوالتصرف وفق الإمكانات المتاحة، فليس منطقيًا أنيعمل أحدهم طوال النهار بـ (15) ألف دينار مثلًاويشتري عطرًا بـ (150) ألف دينار أو أكثر، فهذاالسلوك يدل على كون من يقوم به ليس مدركًا لما يقومبه والأفضل الاعتدال والتوسط دائمًا.

6. هوس السفر والتصوير: كما يُصاب الكثير منالشباب بهوس السفر الذي يمتزج معه هوسالتصوير، فالكثير من الشباب يسافرون من أجلالتصوير ونشر الصور ومقاطع على وسائل التواصلالاجتماعي، وهذا يحصل بفعل حب الشهرة والتميزعن الآخرين سواء الأقران أو باقي الفئات العمريةوهذا ما يضيع المتعة في السفر.

ما يجب هو التمتع بكل تفصيلات السفر والبحث عنالجديد فيه من أجل النفس وراحتها لا من أجلالتصوير وتصدير نفسه للناس علىأني مختلف،وإن حصل أن تُصور بعض الأمور التي تلفتانتباهك فلا يجب نشر كل شيء فالخصوصية أحيانًامهمة وواجبة لا يجب الاستغناء عنها وفضح كل مايحصل للإنسان، فإذا كانت وسائل التواصل لا تضعمحددات يجب على الإنسان أن يضع لنفسهمحددات ويمنعها من السلوكيات غير السليمة.

7. هوس المطاعم الفخمة: ويُصاب الكثير من الشبابمن الإناث والذكور بهوس المطاعم، فقد تجد الكثيرمنهم يحاولون التردد على المطاعم الفخمة، فصورةعند مدخل المطعم تبين اسمه وأخرى للوجبة التييطلبها كفيلة بأن يكونوا في مصاف الأثرياء أوالمهمين في مجتمعهم كما يعتقدون وهو ما يجعلالمطاعم مكانًا للاستعراض لا للغذاء.

المفترض هو أن يخرج الإنسان برفقة عائلته أوأصدقائه أو زملائه في العمل من أجل كسر الروتينوتجنب الملل، وتناول وجبة مُحبذة فالنفس الإنسانيةتطلب بعض الأمور وتوجب على الفرد إشباعها، ومثلالسلوكيات المصاحبة مثل التصوير وغيره يُفقدالإنسان اللذة ويبعده عن الهدف الأساس منالسلوك وهذا ما يجب الابتعاد عنه.

8. هوس الجسم المثالي وكمال الأجسام: ومن أنواعالهوس التي تصيب الشباب هو الهوس بالجسمالمثالي أو الجسم الرياضي، فتفكير الإنسان بجعلجسمه مثاليًا خاليًا من السمنة أمر غاية في الروعةلكن أن يتحول الأمر إلى هوس هنا تكمن المشكلة، إذأن الكثير من الشباب ينفقون أموالًا كبيرة على شراءالأطعمة والعقاقير والبروتينات من أجل بناءالعضلات لتكون ملفتة للنظر سيما فئة الطلبة وغيرهممن الشباب غير الناضجين.

وما يجب هو ممارسة الرياضة من أجل الظفر بجسمجميل ووزن صحي، فالتفكير هذا يجعل الإنسانيعمل من أجل تحقيق مكاسب ذاتية لا من أجلالآخرين وما يرونه فيه، فلا الأدوية ولا العقاقيرستنفع منهم بل العكس ستنال من صحتهم فيالمستقبل.

9. هوس تقليد المشاهير: ومن صور الهوس لدىالشباب هو هوس بتقليد المشاهير، فما أن يقصلاعب كرة قدم على سبيل المثال شعره بطريقة معينةحتى تجد ربما في اليوم التالي الكثير من الشبابيقلدون تسريحته، وراح بعضهم إلى أبعد من ذلكفي التقليد فصاروا يقلدون طريقة المشي والكلاموغيرها من الحركات، وهذا دليل أبلج على عدم نضجالمقلد وعدم امتلاكه لهوية تقيه مثل هذا التدهورالسلوكي.

وما يجب هو أن يكون الإنسان لنفسه هوية تنسجممع قيم وعادات وأخلاقيات ومبادئ مجتمعه بعيدًا عنهذا الهوس المرضي الذي يجعل الفرد ناشزًاومرفوضًا مجتمعيًا كما في الكثير من الأحيان.

في الختام إن الإنسان بمثل هذه السلوكيات لا يكبرفي عين الآخرين بل يحط من قيمته ويبتعد عنإنسانيته وعن فطرته السليمة وعن الرسالة الإنسانيةالتي خُلق من أجلها فيصبح كالأنعام بل أضلسبيلًا، وعليه أن يَعِي عواقب سلوكياته ويحاولالابتعاد عنها ما استطاع وذلك طريق الرشاد.

قد يعجبك ايضا