شــــــريف علي
في سياق المشروع التركي لإنهاء النزاع مع حزب العمال الكوردستاني، والذي لقي القبول من جانب هذا الأخير، خرج الحزب وفي مؤتمره الثاني عشر في الفترة من 5 إلى 7 مايو 2025 بجملة من القرارات المنسجمة مع المتغيرات الدولية ومع الطرح التركي، وكان من أبرزها إلقاء السلاح وإنهاء العمل المسلح وحل الحزب نفسه مما شكل تحولًا نوعيًا في مسار القضية الكوردية، ليس فقط على المستوى المحلي والإقليمي، بل أيضًا في سياق العلاقات الدولية، خاصة بين الولايات المتحدة وتركيا، وتركيا وإسرائيل، هذا التحول يفتح الباب أمام إعادة صياغة التوازنات الجيوسياسية في المنطقة، ويضع واشنطن وأنقرة أمام اختبار جديد في إدارة الملف الكوردي، وذلك ضمن معادلة معقدة ومتعددة الأركان تجمع بين الأمن، التحالفات، والمصالح الاستراتيجية. من منظور دولي.
إن تخلي الحزب عن العمل المسلح، ومن ثم حل الهيكلية التنظيمية مؤخرا فرصة نادرة لإعادة هيكلة العلاقة بين القوى الكوردية والفاعلين الدوليين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة التي لطالما وجدت نفسها في موقف حرج بين دعمها لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) -التي تراها تركية قوة كوردية بغطاء سوري جامع – في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وبين التزاماتها الأمنية تجاه تركيا كحليف في الناتو.
إعلان الحزب هذا قد يُسهم في تخفيف الضغط على واشنطن، إذ يتيح لها إعادة تأطير دعمها للقوى الكوردية في غرب كوردستان ضمن إطار سياسي غير مرتبط بتنظيم مصنف إرهابي من قبل أنقرة، مما يعزز من فرص بناء شراكة أكثر استقرارًا في غرب كوردستان. تشكل امتداد لتحالف استراتيجي قائم في جنوب كوردستان وقاعدة التحكم في العمق السوري، في المقابل يضع هذا التحول تركيا أمام تحديات مزدوجة.
فمن جهة، قد يُنظر إلى إعلان الحزب كفرصة لتقليص التوترات الأمنية على حدودها الجنوبية، وفتح نافذة لحوار داخلي حول الحقوق الكوردية في تركيا. ومن جهة أخرى، فإن غياب رد رسمي واضح من أنقرة يعكس ترددًا في التعامل مع التحول كفرصة سياسية، وربما يعكس شكوكًا في نوايا الحزب أو في جدية التحول. هذا التردد قد يُفسر أيضًا في ضوء الحسابات الداخلية التركية، حيث يُستخدم الملف الكوردي في سياقات انتخابية وأمنية، مما يجعل من الصعب على الحكومة تقبل هذه الخطوة والخروج بقناعة القبول دون ضمانات أمنية وسياسية واضحة. خاصة وانها مقبلة على انتخابات تعتبر مصيرية بالنسبة الى الرئيس أردوغان وحزبه .
على صعيد العلاقات بين واشنطن وأنقرة، فإن التحول في موقف حزب العمال الكوردستاني PKK قد يُعيد ترتيب أولويات الحوار بين الطرفين. إذ يمكن للولايات المتحدة أن تستخدم هذا التطور كمدخل لإعادة بناء الثقة مع تركيا المتورطة في دعم الجماعات الإسلامية الراديكالية في الساحة السورية، من خلال دعم مسار سياسي كوردي مستقل عن الحزب، وتعزيز التنسيق الأمني في شمال سوريا.
لكن هذا السيناريو يظل مشروطًا بمدى استعداد أنقرة للتفاعل مع التحول بمرونة، وبقدرة واشنطن على ضمان استقلالية القوى الكوردية السورية عن التأثيرات التنظيمية السابقة. في السياق ذاته، قد يُسهم هذا التحول في إعادة تعريف دور القوى الدولية الأخرى، مثل روسيا والاتحاد الأوروبي، في الملف الكوردي. فبينما تسعى موسكو إلى تعزيز نفوذها في سوريا عبر علاقات متشابكة مع دمشق والقوى الكوردية، فإن الاتحاد الأوروبي قد يجد في التحول فرصة لدعم مسار حقوقي وسياسي جديد للقضية الكوردية، خاصة في ظل تراجع منسوب العنف المرتبط بحزب. العمال الكوردستاني PKK .
إجمالا، يمثل إعلان حزب العمال الكوردستانيPKK عن حل نفسه لحظة مفصلية في تاريخ الحركة الكوردية، تفتح الباب أمام إعادة تشكيل العلاقات الدولية والإقليمية المرتبطة بها. لكن نجاح هذا التحول في إحداث أثر فعلي يظل مرهونًا بمدى قدرة الدولة التركية على تجاوز الحسابات الأمنية الضيقة، والانخراط في مسار سياسي شامل يعترف بالتعددية الكوردية ويؤسس لحلول مستدامة.