الشرق الأوسط في 2025: توازنات إقليمية جديدة وصراعات مستمرة

زوراب عزيز

   مع وصول أحمد الشرع إلى رئاسة سوريا في يناير 2025، دخلت المنطقة مرحلة جديدة من التحولات الإقليمية، حيث يتشابك الصراع السوري–الكردي مع النفوذ التركي والإيراني، في حين تسعى الولايات المتحدة لإعادة ترتيب حضورها الاستراتيجي بعد سنوات من التدخُّل العسكري المباشر. الوضع في العراق يمثل نقطة مركزية في هذه المعادلة، إذ تسعى بغداد إلى تعزيز سيادتها بينما تحاول تركيا وإيران حماية مصالحهما ونفوذهما، وكل ذلك في ظل بيئة متقلبة اقتصادياً وسياسياً.

    في العراق، استمر تقليص الوجود العسكري الأمريكي بشكل واضح، فقد أعلنت واشنطن في الأول من أكتوبر 2025 عن خفض عدد قواتها إلى أقل من 2000 جندي، مع تحول تركيزها نحو التدريب والمراقبة الاستخبارية بدل العمليات المباشرة ضد داعش. هذا الانسحاب يعكس تقديراً أمريكياً بأن العراق قادر على مواجهة التحديات الأمنية بشكل جزئي، لكنه يترك الفرصة مفتوحة أمام النفوذ الإيراني للتوسع عبر المليشيات المسلحة المدعومة منها، خصوصاً في جنوب العراق ووسطه، وهو ما يثير قلق بغداد التي تحاول الحفاظ على توازن دقيق بين القوى الإقليمية والدولية.

    سوريا تشهد أيضاً مرحلة حساسة. السلطة الجديدة بقيادة أحمد الشرع تحاول فرض سيطرة مركزية على مناطق الشمال الشرقي، حيث تسيطر قوات سوريا الديمقراطية المدعومة دولياً. في 3 أكتوبر 2025، صرح الشرع بأن حكومته ستبدأ حواراً مباشراً مع قادة المناطق الكردية حول دمجها ضمن مؤسسات الدولة، مع الحفاظ على الأمن والاستقرار، لكنه أشار بوضوح إلى أن أي شكل من أشكال الانفصال لن يتم التسامح معه. التحدي الأكبر للشرع يكمن في إدارة هذه المناطق دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة، بينما يضغط أردوغان على ضمان ألا يتم تعزيز قدرات أي تشكيل كردي قد يشكل تهديداً للأمن التركي على الحدود.

     تركيا من جهتها واصلت تعزيز نفوذها في شمال العراق وسوريا، خاصة في المناطق التي تعتبرها حيوية لأمنها القومي. في 8 أكتوبر 2025، أكد الرئيس رجب طيب أردوغان أن أنقرة لن تسمح بأيّ شكل من أشكال التهديد الكردي على حدودها، مشيراً إلى ضرورة التزام جميع الأطراف باتفاقيات دمج القوى المحلية ضمن هيكل الدولة السورية. تركيا في الوقت نفسه تعمل على توازن حساس مع الولايات المتحدة، خاصة فيما يتعلق بالمناطق الخاضعة للنفوذ الأمريكي في كوردستان العراق، في حين تتنافس مع إيران على النفوذ السياسي والاقتصادي في بغداد ودمشق.

    إيران، على الرغم من العقوبات الاقتصادية المستمرة، لم تتخلى عن دورها الإقليمي. تدعم طهران المليشيات العراقية وتواصل الحفاظ على نفوذها في سوريا عبر حلفائها المحليين، لكنها تواجه ضغوطاً متزايدة من الولايات المتحدة والدول الأوروبية للحد من تدخلها.

في سبتمبر 2025، عززت السعودية وباكستان التعاون الدفاعي في خطوة يُنظر إليها على أنها تهدف إلى مواجهة النفوذ الإيراني المتزايد، وهو ما يضع طهران أمام تحديات استراتيجية جديدة.

الولايات المتحدة من جهتها تتبع استراتيجية مزدوجة؛ فهي تقلل الوجود العسكري المباشر في العراق، لكنها تفرض عقوبات مستهدفة على إيران وأذرعها الإقليمية، كما تعمل على بناء تحالفات جديدة في المنطقة لضمان عدم فراغ السلطة الذي قد تستغله طهران أو تركيا أو روسيا. في الأول من أكتوبر 2025، فرضت واشنطن عقوبات على شخصيات وكيانات إيرانية متورطة في برنامجها النووي، في إشارة واضحة إلى استمرار الضغط السياسي والاقتصادي على طهران، مع إبقاء خيار التدخل العسكري محدداً إذا ما ارتفعت التهديدات الأمنية.

    اقتصادياً، يواجه الشرق الأوسط تحديات كبيرة، فمع استمرار الانقسامات السياسية والأمنية، يظل الاستثمار الأجنبي محدوداً، وتستمر أسعار النفط والتجارة عبر الحدود في التأثر بالاضطرابات. البنك الدولي توقع في أكتوبر 2025 نمو المنطقة بنسبة 2.8%، مع استفادة محدودة لدول الخليج، بينما تواجه إيران ركوداً اقتصادياً يبلغ حوالي 1.7% بسبب العقوبات وتراجع الصادرات النفطية.

في هذا المشهد المعقد، يظهر أن المنطقة مقبلة على مرحلة من الصراع متعدد المستويات؛ صراع على الحدود، على النفوذ السياسي، وعلى الموارد الاقتصادية، مع بقاء جميع الأطراف مدفوعة بالحاجة إلى إدارة حسابات دقيقة لتجنب أي انفجار عسكري جديد. التحديات واضحة: دمج القوى الكردية في سوريا، الحفاظ على وحدة العراق أمام النفوذ الإيراني، وحماية الأمن التركي على الحدود الجنوبية، بينما تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على نفوذ استراتيجي دون الدخول في صدام مباشر.

قد يعجبك ايضا