صالح سليمان عبد العظيم
إعادة النظر في كتاب طه حسين «مستقبل الثقافة في مصر» في سياقه الفكري والاستعماري
مقدمة
عندما صدر كتاب “مستقبل الثقافة في مصر” عام ١٩٣٨، كان بمثابة إعلان عن التجديد الوطني وبيان للتوافق الفكري مع الغرب. في هذا العمل الطموح، يحدد طه حسين رؤية شاملة للتحول الثقافي والتعليمي في مصر، مؤكدا أن التقدم الحقيقي، المادي والمعنوي، لا يمكن تحقيقه إلا باستيعاب مصر الكامل للتراث الفكري الأوروبي والإلمام الكامل به. يستند الكتاب، في إطار خطابه الحداثي المُقنع، إلى افتراض واضح ومثير للجدل؛ أن الطريق نحو الحضارة والتنوير يمر بالضرورة عبر أروقة المعرفة الغربية والعقلانية والنماذج المؤسسية. لا يدعو حسين إلى الإصلاح فحسب؛ بل يدعو إلى تحول معرفي، وإعادة توجيه عميقة للعقل المصري نحو ما يسميه المبادئ “العالمية” للعلم والثقافة الحديثة، التي يساويها بالحضارة الأوروبية.
في صميم حجة حسين، تكمن ثنائية حادة بين قطبين حضاريين. من جهة، يقف “الغرب”، الذي يصوره على أنه ميدان الفكر العقلاني والبحث المنضبط والمؤسسات التقدمية؛ ومن جهة أخرى، يقف “الشرق”، المحاط بالتقاليد والمشاعر الدينية والركود. يشكل هذا التقسيم المفاهيمي المحور الفلسفي للكتاب، مشكلا حجته الكاملة حول التعليم والحوكمة والإصلاح الاجتماعي. يرى حسين أن علل المجتمع المصري التي تتمثل في الأمية والجمود الفكري والتخلف الاقتصادي تنبع من تشابكه مع أشكال الفكر التقليدية واعتماده على أنظمة تعليمية بالية، وأبرزها المدارس الدينية التي يرى أنها تعيد إنتاج الطاعة بدلا من الابتكار. وبدلا من ذلك، يتصور نظاما تعليميا حديثا تسيطر عليه الدولة، على غرار النظام الأوروبي، مُصمّمًا لتنشئة مواطنين عقلانيين قادرين على التفكير العلمي وخدمة الوطن.
ومع ذلك، فإن لغة حسين الراقية والجادة والوطنية تخفي مفارقة معقدة. فبينما يعلن ولاءه العميق للهوية الثقافية المصرية وتراثها الإسلامي، يصر على أن مستقبل الأمة الوحيد القابل للاستمرار يكمن فيما يسميه “الاندماج” في المشروع الحضاري الغربي. لا يقدم هذا على أنه استسلام ثقافي، بل فعل من أفعال البراجماتية المستنيرة، مشيرا إلى أن تبني المعرفة والمؤسسات الأوروبية وسيلة لاستعادة مكانة مصر المستحقة بين “الدول المتحضرة”. بهذا المعنى، يُجري الكتاب مناورة بلاغية دقيقة؛ فهو يترجم التغريب إلى خطاب فخر وطني، ويعيد صياغة التقليد على أنه تحرر. وهكذا تبدو الدعوة إلى استعارة الأساليب الأجنبية واجبا وطنيا لا تبعية أيديولوجية؛ أى استراتيجية إقناعية تخفي تبعية معرفية أعمق وراء لغة التقدم والإصلاح.
أولا: السياق التاريخي والفكري للكتاب
يجب قراءة كتاب طه حسين “مستقبل الثقافة في مصر”، الصادر عام ١٩٣٨، على أنه نتاج لحظة تاريخية بالغة الخصوصية، لحظة اتسمت بالتحول السياسي والقلق الثقافي والثورة الفكرية. وقفت مصر في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي عند مفترق طرق بين إنهاء الاستعمار والتحديث. وقد أعادت المعاهدة الأنجلو-مصرية لعام ١٩٣٦، ظاهريا، السيادة الجزئية للدولة المصرية، مما سمح بانسحاب بعض القوات البريطانية ومنح الحكومة سيطرة أكبر على الشؤون الداخلية. ومع ذلك، ظل الاستقلال الحقيقي بعيد المنال؛ فقد حافظ البريطانيون على وجودهم العسكري على طول قناة السويس، واستمرت الهياكل الاقتصادية في تفضيل المصالح الاستعمارية. وفي ظل هذا الجو من الاستقلال المقيد، واجهت الطبقة المثقفة في مصر سؤالا حاسما تمثل فيما يلي: أي نوع من الأمة ينبغي أن ينبثق في ظل الاستعمار؟ في هذا السياق المشحون، سعى حسين، كمثقف عام ومعلم، إلى صياغة مشروع ثقافي متماسك قادر على التوفيق بين الفخر الوطني ومتطلبات الحضارة الحديثة.
شهدت ثلاثينيات القرن العشرين أيضا تحولا اجتماعيا مكثفا وظهور طبقة متعلمة جديدة. فقد أنتج توسع المدارس والجامعات جيلا من الشباب المصريين المتحمسين للمشاركة في رسم مصير بلادهم، لكنهم كانوا غير متأكدين من الأسس الفكرية التي سيبنون عليها. شدد الجيل الوطني الأقدم، ممثلا بشخصيات سياسية مثل سعد زغلول، على التحرر السياسي والحكم الدستوري. في المقابل، حول جيل حسين من العلماء والمفكرين التركيز نحو الإصلاح الثقافي والتعليمي كأساس أعمق للاستقلال. وهكذا أُعيد تعريف المسألة الوطنية؛ ليس فقط كيف يمكن لمصر أن تحرر نفسها سياسيا، بل كيف يمكنها إعادة ابتكار نفسها فكريا وأخلاقيا في عالم تحدده بشكل متزايد الهيمنة العلمية والمؤسسية الأوروبية. وقد لاقى صوت حسين صدى خاصا لأنه خاطب هذا الوعي الناشئ؛ جمهورا طالب بالحداثة والهوية، بالتقدم والأصالة.
فكريا، انتمى حسين إلى التيار الليبرالي الحداثي الذي شكل الفكر المصري والعربي منذ أواخر القرن التاسع عشر. وقد دشن هذا التيار، الذي يشار إليه غالبا باسم حركة النهضة، مصلحون أمثال رفاعة الطهطاوي، وعلي مبارك، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده. وقد تقاسمت هذه الشخصيات الإيمان بتوافق، بل ضرورة، التوفيق بين التراث الإسلامي والبحث العقلاني والعلم والتقدم. إلا أنه مع مطلع القرن العشرين، تطور هذا التفاؤل الإصلاحي إلى شكل أكثر حزما من الليبرالية الثقافية، وضع التعليم العلماني والعقلانية العلمية في صميم النهضة الوطنية. ورث طه حسين، الذي تلقى تعليمه في الأزهر والسوربون، هذه الثنائية الفكرية؛ فقد أرساه تعليمه الكلاسيكي على التراث العربي والإسلامي، بينما أطلعه تعليمه الفرنسي على عقلانية عصر التنوير، والوضعية، والمُثُل الإنسانية للحداثة الأوروبية. لذا، يمثل فكره توليفة من هذه التأثيرات، ولكنه فكر يهيمن فيه العنصر الأوروبي بشكل متزايد كنموذج شرعي لـ”الحضارة”.
في كتاب “مستقبل الثقافة في مصر”، لا يتحدث حسين بصفته أكاديميا فحسب؛ بل يتحدث بصفته استراتيجيا وطنيا يُعبّر عن رؤية للتحديث الموجه من قبل الدولة. لقد تأثر مفهومه للإصلاح تأثرا عميقا بمأزق عصر ما بعد الاستعمار. بعد أن شهد قيود الاستقلال السياسي المحض، خلص إلى أن التحرير الوطني لا يُمكن أن ينجح دون تحرير فكري مقابل؛ تجديد الحياة الثقافية من خلال التعليم والعلم والفكر العقلاني. بالنسبة لحسين، فإن السيادة السياسية دون تحول ثقافي جوفاء؛ إنها لن تعيد إنتاج التبعية إلا تحت مسميات جديدة. وهكذا، يعيد تعريف مشكلة تخلف مصر ليس كقضية سياسية أو اقتصادية، بل كأزمة ثقافة وعقلية. ويرى أن الاستقلال الحقيقي يتطلب إعادة صياغة العقل المصري وفقا لمبادئ العقلانية الأوروبية والانضباط العلمي.
يجب أيضا وضع مشروع حسين في السياق الأيديولوجي العالمي لفترة ما بين الحربين العالميتين. تميزت ثلاثينيات القرن العشرين بتنافس التيارات الليبرالية والفاشية والاشتراكية والقومية الاستعمارية في أوروبا والشرق الأوسط. وظلت النخب الليبرالية المصرية، التي ينتمي إليها حسين، ملتزمة بالمُثُل البرلمانية، والدستورية، والإيمان بالتقدم من خلال التعليم. واعتبروا العلم والمعرفة العلمانية معادلين أخلاقيين للحرية السياسية؛ أدوات تُمكّن الأمم من تحقيق الكرامة والنظام. يعكس افتتان حسين بعصر التنوير الأوروبي، وإيمانه بعالمية مبادئه، هذا المناخ الأوسع من التفاؤل الليبرالي الذي سبق الحرب العالمية الثانية. يجب فهم إصراره على أن مصر “تنتمي إلى أوروبا” ثقافيا وفكريا على أنه استراتيجية أيديولوجية تهدف إلى ادعاء التكافؤ مع الدول الغربية، لا الخضوع لها. وبوضع مصر ضمن سلسلة الحضارة المتوسطية، سعى إلى دمج بلاده في جغرافية الحداثة. في الوقت نفسه، اتسمت لحظة حسين التاريخية بتناقض عميق. كان النظام الليبرالي الذي دافع عنه يعاني أصلا من ضغوط جمة، مهددا من قِبَل الحركات الاستبدادية الصاعدة في الخارج والاضطرابات الاجتماعية الداخلية. استمرت الأمية الجماعية، والتفاوت الاقتصادي، والفقر الريفي رغم عقود من خطاب الإصلاح. في هذه البيئة، يكشف إيمانه بالتعليم كعلاج شامل للعلل الاجتماعية والثقافية عن مثالية رؤيته وحدودها. كان يثق في أن التعليم العقلاني والتعليم الحكومي قادران على توحيد مجتمع متشرذم، وتجاوز الحواجز الطبقية، وحل التوتر بين الدين والعلم. ومع ذلك، تكشف هذه الثقة أيضا عن بعده عن واقع الطبقات الشعبية، واعتماده على النخبة المتعلمة كعوامل للتقدم، وهي سمة مميزة للنخبة المثقفة الليبرالية في عصره.
إن فهم هذه الخلفية التاريخية والفكرية أمر بالغ الأهمية لتفسير كتاب “مستقبل الثقافة في مصر”. إن إشادة حسين بالمعرفة والمؤسسات والمناهج العلمية الغربية ليست قناعة شخصية معزولة، بل هي جزء من خطاب تحديثي أوسع سيطر على الفكر العربي من أواخر القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين. وتمثل دعوته للاندماج في الحضارة الغربية ذروة صراع دام قرنا بين المثقفين المصريين لتحديد معنى التقدم في عالم مُستعمَر وسريع التغير. وباعتباره الإصلاح الثقافي الأساس الحقيقي للاستقلال، حول حسين القضية الوطنية من صراع سياسي إلى صراع تربوي ومعرفي. ويشكل هذا التحول النظر إلى التحرير كمسألة فكرية لا مجرد مسألة إقليمية جوهر مشروعه وأصله، وهو ما زال يثير جدلا مستمرا.
ثانيا: أكثر افتراضات الكتاب إثارة للجدل
من أكثر الافتراضات إثارة للجدل التي يقوم عليها كتاب “مستقبل الثقافة في مصر” قناعة طه حسين بأن الحضارة الغربية، وتحديدا روحها العلمية وفلسفتها العقلانية وانضباطها المؤسسي، تشكل المحرك الشرعي الوحيد للتقدم البشري. يصر طه حسين، على امتداد الكتاب، على أن التقدم المادي والأخلاقي للأمم ينبع من قدرتها على استيعاب وتَمثُل أساليب البحث والتنظيم الغربية. يرى حسين أن التقدم ليس نسبيا ثقافيا؛ بل هو عالمي وقابل للقياس من خلال درجة مشاركة الأمة في التقاليد العلمية والفكرية الأوروبية. ويقدم حسين العلوم الغربية على أنها التعبير الأسمى عن العقل والإنسانية، مُشيرا إلى أن نهضة مصر تعتمد على استعدادها للتعلم من هذه الأنظمة الفكرية وتقليدها ودمجها في نهاية المطاف في مؤسساتها الخاصة. وهكذا يصبح التعليم الوسيلة الأساسية لهذا التحول؛ فمن خلال الإصلاح الشامل وترجمة الأعمال الأوروبية وإعادة تنظيم الجامعات والمدارس، يرى حسين بأن مصر يمكنها مواكبة إيقاع الحضارة الحديثة. تشكل هذه الفكرة، أن الثقافة الأوروبية تجسد النموذج العالمي للتقدم، العمود الفقري النظري لبرنامجه، وتُعرّضه في الوقت نفسه لنقده الأكثر ديمومة؛ مركزيته الأوروبية الضمنية وافتراضه أن الاقتباس الثقافي يمكن أن يحدث دون تبعية أو تحريف.
يتعلق افتراض ثان مثير للجدل بنقد حسين للماضي “الشرقي”، وخاصة للتعليم الديني التقليدي. يُحذر حسين مرارا وتكرارا من أن التعلق المفرط بالتقاليد الموروثة، سواء أكانت لغوية أم أخلاقية أم مؤسسية، يشكل عائقا أمام التقدم الوطني. يرى حسين أن العادات الفكرية التي تغرسها المدارس الدينية، وخاصة تلك المرتبطة بالأزهر، لا تناسب متطلبات العصر العلمي الحديث، لأنها تُعطي الأولوية للتقليد والسلطة والحفظ عن ظهر قلب على التجريب والتفكير المستقل. تُعزز تجربة حسين الحياتية، التي ربطت بين الأزهر والسوربون، هذا النقد؛ فهو يصور نفسه كشخص اجتاز بنفسه الفجوة بين التعليم التقليدي والحديث. على هذا الأساس، يدعو حسين إلى إصلاح شامل للنظام التعليمي في مصر، مع التركيز على إدخال مناهج حديثة، وبرامج تدريب المعلمين، وتوسيع حملات محو الأمية العامة. التعليم، في رأيه، ليس مجرد وسيلة لإنتاج المعرفة، بل هو أيضا وسيلة لإعادة بناء الشخصية الوطنية. ومع ذلك، فإن حسين، بتجاهله القيمة المعرفية للتعلم التقليدي، يخاطر بتنفير الأسس الثقافية التي ارتكز عليها جزء كبير من التماسك الاجتماعي في مصر. حجته، وإن كانت قوية من الناحية البلاغية، تفترض تسلسلا هرميا يجب أن تخضع فيه المعرفة الدينية أو المحلية للعقلانية العلمية الغربية؛ وهو موقف أجج عقودا من الجدل حول مكانة الإيمان والتراث والمعرفة المحلية في التعليم الحديث.