نبيل خالد مخلف – باحث سياسي
مُنذ إندلاع النزاع المسلح بين قوات الدعم السريع (RSF) والقوات المسلحة السودانية (SAF) في أبريل 2023، تحوّلت منطقة دارفور في السودان إلى بؤرةٍ لصراعٍ ينطوي على أبعاد متعددة من أبرزها؛ عسكرية، إنسانية، وسياسية، وعلى هذا الأساس أخذت طبيعة الصراع بُعداً (إثنياً-قبلياً)، يُعيد إنتاج أزمات طويلَة الأمد في التوزّع العرقي والمجتمعي داخل أقاليم الدولة.
ففي النصف الأول من عام 2025، وثقت المفوضية السامية لحقوق الإنسان مقتل ما لا يقل عن (3,384) مدنياً، أغلبهم في دارفور، أي ما يعادل نحو (80٪)، من إجمالي الضحايا المدنيين الموثقة في السودان خلال العام 2024، ومن بين هذه الضحايا، (2,394)، قتلوا أثناء المعارك، بينما (990)، قُتلوا خارج نطاق العمليات القتالية بمعنى “إعدامات موجزة”.
ولا بد من الإشارة إلى أن الكثير من الهجمات استُهدفت بها جماعات إثنية مثل (المساليت، والفور، والزغاوة)، ضمن حملة يُنظر إليها بأنها تنظيف عِرقي من قبل (RSF وجماعات مساندة)، وفي تقرير حديث للأمم المتحدة، ذُكر أن المواطنين من هذه الجماعات كانوا هدفاً للقتل، بالإضافة إلى نهب ممتلكاتهم، وحرق قراهم، واختطاف فتياتهم، وحرمانهم من الخدمات الإنسانية، على سبيل المثال، في منطقة مخيمي زمزم وأبو شوك قرب مدينة الفاشر “العاصمة الإقليمية لشمال دارفور” ، شنّت قوات الـ (RSF) هجوماً واسعاً في أبريل 2025 تخلله نهب، حرق مبانٍ، واختطاف موظّفين إنسانيين، كما ويُقدر أن نحو (400,000), نازح تَشَردوا جراء الهجمات العنيفة.
من جهةٍ أخرى، استُخدمت الأسلحة الثقيلة، والقصف الجوي، والطائرات من دون طيار ضدَ المدنيين والبُنى التحتية الحيوية في دارفور، مما زاد من فداحة المأساة، كما أن الخدمات الصحية تقريباً تعطّلت بالكامل في كثير من المناطق، والتعليم توقف، والمرض والجوع باتا يسودان ظلّ القتال.
وتشير التقارير الدولية، إلى أنه منذ يوم 26 أكتوبر 2025، قامت قوات الدعم السريع بقتل ما لا يقل عن 2500 مدني، فيما وقد أفادت الأمم المتحدة بأن أكثر من 26 ألف شخص فروا من الفاشر خلال يومين فقط، إذ لا يزال نحو 177 ألف مدني محاصرين في المدينة، وفقاً لوكالة الهجرة التابعة للأمم المتحدة.
وبذلك يتجلى البُعد القبلي بوضوح حين تُعبر الهجمات بصيغتين: الأولى، استهداف مناطق سكن جماعات غير عربية/أفريقية، عبر لفظة “عرب ضد غير عرب” في الخطاب، والثانية، هي التهجير القسري الذي يُفرغ مناطق كاملة من سكانها الأصليين، مما يُغير الخريطة السكانية ويُضعِف قدرة المجتمع على الصمود والمصالحة.
بالتالي يمكن القول إن ما يجري في دارفور اليوم ليس مجرد نزاعٌ عسكري بين فصائل متناحرة، بل ساحةٌ تُعاد فيها كتابة الهوية والهيمنة القَبلية، حيث يُعاقب المدنيون ليس فقط بكونهم “طرفاً معادياً” بل أحياناً بكونهم من “جماعة إثنية معينة”.