احداث عاصرتها

 

 

محسن دزه يي

تكمن أهمـية هذا الـكتاب فـيمـا يفـتحـه من النوافـذ أمـام أنظار القراء فهـو عبارة عن سيرة الحياة الشخصية والسياسية للمناضل البارز في صفوف حركة التحرر الكوردستانية ، (محسن دزه يي).

يغطي الجزء الأول من كتاب (احداث عاصرتها) أيام طفولتـه ومراحل دراسـته ثم الاحداث التـي وقعت في محطات حياته المختلفة من مزاولة مهنة المحاماة والتجارة،الى التحاقه بالثورة الكوردية عام 1963 كبيشمركة وسياسي،ومن ثم توليه مسؤوليات قيادية هامة في صفوف الحزب الديمقراطي الكوردستاني والثورة الكوردية، ولأهمية هذه الشخصية القيادية البارزة ودوره الفاعل في الحركة التحررية الكوردستانية، ندعوا قراءنا الى متابعة مجريات الأحداث والذكريات التي عاصرها المناضل (دزه يي) خلال محطات حياته.

 

الجزء الخامس عشر

اعــود لمواصلة حــديثي حــيث بعـد ذلـك غـادرنا مــبنى الســفــارة، وذهبنا لزيارة المحـامي مـحـمـد بابان والذي كـان فـي لندن في زيارة خـاصـة ايضاً انذاك، حـيث كان يسكن في شـقة لا تبـعد عن مـبنى السـفارة سـوى مسـافة حوالي مـائة متر‡، وفي تلك الاثناء حـضر أحد النواب الاخرين من اعـضاء الوفد العـراقي،‡ وكان محـمد بابان قلقـاً على مصيـر شقيـقه محـمود بابان الذي كــان وزيراً انذاك‡، وفـجــأة بدأ النائب الاخــر -وكـان كـردياً أيـضـاً- بالتهجم عليه وعـلى النظام الملكي معتبرا نفسه من الـوطنيين€، فنهره كاكه حـمه خـانقـاه وأوضح له انهمـا عـضوين في وفـد برلماني عـراقي وقد جـاءا الى بريطانيـا على نفـقة الدولة، وانهـما كـانا حـتى يوم أمس من المخلصين €للنظام الملكي، فكيف يكون تغـيـيـر الموقف ˆبمثل هذه السـرعـة?! بعـد ذلك غـادرنـا الشـقــة وذهب كل منا في طـريقـه‡، وفي مــسـاء اليــوم نفـســه بدأ الطلبة العراقيون بعقد الاجتماعات لتأييد الثورة..

 

التـقـيت فـي تلك الجلسـة بالبـروفـيـسـورالبـريطاني مكنزي(4) الذي كـان شابا فـي ذلك الوقت، حيث تـعارفنا وقـد اندهشت كـثيراً عندمـا وجدته يتـحدث باللغـة الكردية بطلاقة كـأي كردي، وبجمـيع اللهجـات المتداولة حـيث بدأ يتحـدث معي بلهـجة أربيل مـشوبة بلكنة اخـواننا المسيحيين€ في عيـنكاوه‡، ولما أستـفـسـرت منه عن كـيفـيـة اجادتـه لهذه اللهـجة اجـابني بقوله :انه كـان في أربيل اواخر الـعام 1954 ،وكان يقـيم ليلاً في مدرسة أعـدادية اربيل حيث كان الحـارس الليلي رجلاً من اهالي عـينـكاوه، فكان يجـالسـه ويطلب منـه رواية القـصص الشـعـبـيـة القديمة له‡، وكان يستمع للحارس المذكور حتى ساعة متأخرة من الليل، لذا تأثر بلهجـة عينكاوه‡

 

وفي صـــبـــاح اليـــوم التـــالي 15 تموز 1958 ،ذهبـت ثانيـــة الى مكـتب الملحق العـسكـري الذي اخـبرنـي بان الثـورة قـد نجـحت وانتـهى كل شيء،، ‡وكــان حـاضــراً عند الملحق العــسكري في تـلك الاثناء، ضــابط اخـر برتبــة عـقيـد طيـار،‡ وقد علـمت بانه كان ملـحقـاً جويـاً اسمـه صـادق علي‡، كمـا علمت منهمـا ان خالد النقشبندي مـتصرف لواء أربيل، قد €عين عـضواً في مـجـلس السـيــادة العـراقـي،‡ وبعـد يومين€ أو ثلاثة عـقــدت السـفــارة ندوة للعـراقيين€ المقيمين  في بريطانيـا، تحـدث خلالهـا الملحق العـسكري العـقيـد الركن عــبــد القــادر فــائق والملحق الثــقــافي الدكــتــور بديع شــريف، وكــان حـديثـهـمـا موزونـاً ومعـتـدلاً حـيث تحـدثا عن نجـاح الثـورة والقـضـاء على النظام الملكي،‡ كمـا تحدث أيضاً الدكتور مـحمد صالح البـياتي، الذي كان مديراً للخطوط الجوية العراقية في لندن، وكان عنيفاً ومتطرفاً في حديثه‡، ثم تحـدث في الندوة عدد اخـر من الحـاضرين بينهم عـبـدالرحمن البزاز  (2) الذي كـان مـتواجـدا في لندن فـرحب بقـيـام الثـورة‡، وكان من بين€ الحـضـورأيضاً عبـدالله النقشبندي (3) الذي كان في بريطانيـا انذاك للحصول على شهـادة الدكـتوراه، والدكـتور حـسن علي ذنون الذي كان اسـتاذي في كليـة الحقوق وقد جلسنا جنباً الى جنب في الندوة المذكورة..

 

 

 

وهكذا مـرت الايام كـانت تعـقد خلالها الاجـتـمـاعـات وتقـام مظاهرات التـأييـد للثـورة، أمـام مـبنى الـسـفـارة العـراقـيـة وفي حـديقـة (هايد بارك)، وكـانت الانبـاء الواردة من بغداد غـيـر دقـيقـة وغـير مـضـبـوطة،‡ ثم علمنا باطلاق سراح الشيخ احمد البارزاني وأعتبرنا ذلك بادرة خير.

 

وبقــيـت في لندن حــتـى يوم 10 اب 1958 ،ثم ســافــرت الى بـروكــسل عـاصـمـة بلجـيكا حـيث كـان يقـام مـعـرض تجـاري وصـناعي دولي، وبقـيت فيـها بضـعة ايام ثم سـافرت الى مـيونيـخ في المانيا، وكـان شقـيقي سـعدي مـتواجـداً فيـهـا لحضـور مؤتمر جـمعـيـة الطلبة الكُـرد هناك‡، وكان قـد عقـد اجـتمـاع تمهيدي قبـل ذلك في بريطانيـا، حضـره الدكـتـور كامـران بدرخـان، وكـانت تلك هي المرة الأولى الـتي التـقيـتـه فـيـهـا حـيث تعـارفنا وقـضـينا بعض الوقت معاً ،وكان ذلك قبل قيام ثورة 14 تموز على ماأعتقد.

وقـبل سفـري الى بروكـسل وفي احدى الجلسـات مع بعض الطلبـة الكُرد- وكنت انذاك في نفس السن مع بعضهم، وكان البـعض الاخر يكبـرني أو يصـغـرني بعـام واحـد أو عـامين€- التـقـيت فـي تلك الجلسـة بالبـروفـيـسـورالبـريطاني مكنزي(4) الذي كـان شابا فـي ذلك الوقت، حيث تـعارفنا وقـد اندهشت كـثيراً عندمـا وجدته يتـحدث باللغـة الكردية بطلاقة كـأي كردي، وبجمـيع اللهجـات المتداولة حـيث بدأ يتحـدث معي بلهـجة أربيل مـشوبة بلكنة اخـواننا المسيحيين€ في عيـنكاوه‡، ولما أستـفـسـرت منه عن كـيفـيـة اجادتـه لهذه اللهـجة اجـابني بقوله :انه كـان في أربيل اواخر الـعام 1954 ،وكان يقـيم ليلاً في مدرسة أعـدادية اربيل حيث كان الحـارس الليلي رجلاً من اهالي عـينـكاوه، فكان يجـالسـه ويطلب منـه رواية القـصص الشـعـبـيـة القديمة له‡، وكان يستمع للحارس المذكور حتى ساعة متأخرة من الليل، لذا تأثر بلهجـة عينكاوه‡, كمـا كان يتحـدث باللهجة الهـورامية وكذلك لهـجة السليــمــانيـة،‡ وكــان يرافق مكـنزي في تلك الجلـسـة شــاب بريطاني كــان صديقاً له، ولم يكن يعرف أي شيء عن اللغـة الكردية,‡ وكان كثير الكلام دون ان يفسح المجـال لأحد وفـجأة بدأ مكنزي بلغـة كردية سليـمة وبلهـجة السليـمـانيـة، بتـوجـيـه أقـذر الشـتـائم اليـه لأنـه كـان يتكلم كـثـيـرا‡, وبدأنا جميعاً بالضحك وبقهقهة عالية فسأل الشاب البريطاني عما قاله مكنزي باللغـة الكردية,‡ عندها قال مكنزي بالكردية أيضـاً مانصـه:(بالله عليكم لاتترجموا له ماقلته)‡ فضحـكنا كثيراً واستغربنا من بريطاني بان يتلفظ الشـتـائم بـهـذه الطلاقـة وباللغــة الكردية,‡ وعلى ذكـر مكـنزي فـانه مـازال على قـيد الحـيـاة وهو الان بروفيـسـور اللغة الكردية فـي احدى الجـامعـات وله مؤلفات ودراسات وبحوث حول هذه اللغة.

 

“وبدأت السـيدة مـينا خانم تروي لنا دور مـصطـفى البـارزاني والبـارزانيين€ في الـدفـاع عن جـمـهـورية مهاباد، ثم روت لنا تفاصيل اللقـاء الاخير بين€ الشـهـيـد القاضـي محـمـد ومـصطفى البـارزاني بعـد سـقوط جـمـهـورية مـهـاباد العـام 1947 فـقالت: بـأن البارزانـي جاء الى دار الـقاضي مـحـمـد قـبل دخـول الجــيش الايراني مـدينة مـهــاباد وطلب من القاضي مــرافـقـتـه وعــدم تسليم نفــســه للايرانيين,€‡ وأقــسم بأنه سوف يدافع عـنه وعن راية كـردستـان حـتى الرمق الاخـيـر من حيـاته,‡ وطلب قاضي من البارزاني مغادرة مهاباد قبل وصول الجيش الإيراني,‡ وأضافت بقـولها عندئـذ عانق احـدهما الاخـر وتبـادلا القبـلات والدمـوع تترقـرق من عيـونهمـا، وفي تلك الاثناء ناول القـاضي رفيق نضـاله مصطفى البـارزاني راية كردستان وقال له: انني اسلمك هذه الراية وأرجو حـمايتها والاحتفاظ بهــا فــتـناولهــا البــارزاني ووعـــده بذلك”

 

وأعـود لمواصلة حـديـث سـفـري فـقـد وصلت الى مـيـونيـخ في المانيا في منتصف شهر آب العام 1958، وكان ذلك يوم أختتام مؤتمر جمعية الطلبة الكورد في أوربا‡, وقد أقـمت في غـرفـة كان يسكنـها أبن عـمي مـحمـود كـانـبي دزه يي‡, وكـانت الغــرفـة تقـع في شـقـة تمتلكها ســيـدة المانية في أواسط عـمـرها اسـمـها (كنـوخ) أي العظم‡, وكـانت امـراة مرحـة جـداً وقـد تعلـمت أيضـــاً بعض الكـلمــات الـكردية البـــذيئـــة، وكــانت تـتــبـــادل تلك الكلمـات البذيئة مع مـحمـود,‡ وأعتـقد انها كـانت تؤجر غـرفة أو غـرفتين €الى اشـخـاص اخـرين‡, أمــا غـرفـة مـحـمـود فكانت أوسـعـهــا ووضـعت لنا السيدة (كنوخ) أسـرّة اضافية، حيث جاء شـقيقي سعدي وأقـام معنا أيضاً ومكثنا عنـدها أسبـوعـاً ،ثم دفـعنا لهـا مـبلغـاً بسـيطاً بالقـيـاس الى أجـورالفنادق أو الـشـقق,‡ وكــانت راضـيــة رغم انهـا حــاولت رفض اســتـلام أي مبلغ.

 

 

 

 

واثناء وجــودي في مـيــونيخ، كنا نلـتـقي نحن الـكُرد في احـدى المقاهي وهناك تعــرفت علـى السـيــد علي نجل الشــهــيـد القــاضي مــحـمــد، رئيس جمهورية كردستان في مهـاباد، حيث كان يقيم في ميونيخ ايضاً للدراسة‡, وعلمت منه بوجـود والدته السـيدة مـينا خـانم هناك، وكـانت قد جـاءت من ايران لزيارة ابنهـا علـي الملقب بـ(كـوري ره ش) فـأبديت لـ(علي) رغـبـتي لزيارة والدته فأبدى اسـتعداده لمرافقتي  لزيارتها وكانت تسكن في شـقة‡, ورافقـني في الزيارة كل من شقـيقي سـعدي وابن عـمي محـمود‡, وبـعد ان قدمنا اليها أبنها علي رحبت بنا كثـيراً، خاصةً عندما عرفت باننا من كرد العراق,‡ ولم نكن نعلم في ذلك الوقت فيما اذا كان البارزاني سيعود الى العـراق بعـد قـيـام الثـورة أم لا ،حـيث لم يكن يومـهـا قـد جـرى بعـد تبـادل البـرقـيات بينه وبـ€ الزعيم عـبـدالكريم قـاسم‡, وبدأت السـيدة مـينا خانم تروي لنا دور مـصطـفى البـارزاني والبـارزانيين€ في الـدفـاع عن جـمـهـورية مهاباد، وأشـادت بذلك الدور البطولي‡, ثم روت لنا تفاصيل اللقـاء الاخيربين€ الشـهـيـد القاضـي محـمـد ومـصطفى البـارزاني بعـد سـقوط جـمـهـورية مـهـاباد العـام 1947 فـقالت: بـأن البارزانـي جاء الى دار الـقاضي مـحـمـد قـبل دخـول الجــيش الايراني مـدينة مـهــاباد وطلب من القاضي مــرافـقـتـه وعــدم تسليم نفــســه للايرانيين,€‡ وأقــسم بأنه سوف يدافع عـنه وعن راية كـردستـان حـتى الرمق الاخـيـر من حيـاته,‡ وقـالت بأن القـاضي أجـابه بأنه يريد البقـاء هناك وان الايرانيين€ قد قطعوا له عـهداً بالمحافظة على حـياته وأنه يريد البـقـاء في المدينة عند دخـول الجـيش الايراني اليـهـا للمـحـافظة عليـهـا وعـلى سكانهـا‡, وقـالت أيـضـاً ان البـارزاني قـد ألح عليــه كـثـيـراً للأخـذ برأيه وعـدم الثـقـة بوعـود الايرانـيين،€ فـرفض القـاضي الذهاب مـعـه وطلب من البارزاني مغادرة مهاباد قبل وصول الجيش الإيراني,‡ وأضافت بقـولها عندئـذ عانق احـدهما الاخـر وتبـادلا القبـلات والدمـوع تترقـرق من عيـونهمـا، وفي تلك الاثناء ناول القـاضي رفيق نضـاله مصطفى البـارزاني راية كردستان وقال له: انني اسلمك هذه الراية وأرجو حـمايتها والاحتفاظ بهــا فــتـناولهــا البــارزاني ووعـــده بذلك,‡ وأضــافت تقـــول: وعندمــا أراد البارزاني مغـادرة مهاباد ذهبت وجمـعت ماكان متوفراً في الدار من الخبزوالجبن والمأكولات الجـاهزة وقــدمـتــهـا الى الحــراس المرافقين€ لـه ثم ودعنا الوداع الاخير وغادر مهاباد.

 

وكانت تلك هي نص الرواية التي روتها لنا السيـدة مينا خانم والشهود جـميـعهم مـازالوا احيـاء باستـثنائهـا هي، حيث انتـقلت الى جوار ربهـا في العام 1998, وعندما علمت بخبر وفاتهـا اردت الاتصال تلفونياً بنجلهاعلي في المانيا لتقديم التـعـازي، لكنه لـم يكن مـوجـودا في الدار وعلمت بأنه في لنـدن فـأتصلت به واتفـقنـا على مـوعـد، وقـمت بزيـارته وقـدمت له التعازي‡, وبعد ذلك سألني فيما اذا كنت اتذكر القصة التي روتها والدته لنا فـي العـام 1958 ،وبـدأ بســرد نفس الرواية التـي سـمــعــهـا مـن والدته الراحلة,‡ وقد سمعـتها ايضاً من البارزاني شخصـياً قبل ان أرويها أنا له‡, كـما سـمـعـتهـا من اشـخاص اخـرين‡, وقـد أوفى البـارزاني بوعـده فحـافظ على تلك الراية لحين عودته من الاتحاد السـوفيتي, وكذلك اثناء ثورة 11 أيلول 1961 وبعدها,‡ ثـم انتقلت هذه الامانة الى نجلـه مسعـود البارزاني، الذي هو ايضـاً عند وعد والده للشـهيـد القاضي محـمد وللشـعب الكردي عامة، وهو مـاضٍ في طريق النضال الذي سار عليه اسلافه الخـالدين لخدمة الكرد وكردستان.

 

 

وبعـد أن أمـضيـت أسبـوعـاً في مـيـونيخ كـما ذكـرت، ذهبنا أنا وسـعـدي ومـحـمود وبسـيـارة مـحـمود الخـاصـة الى برلين،€ ولم يكن الجـدار قـائمـاً بين €شطري برلين€ انذاك، وكـانـت اقـامــتنا في بـرلين الغــربيـة، وكـنا نتــردد على الشطر الشرقي يومـياً وفي اليوم الاخـير رافقنا صـديق آخر هو دارا أديب، الذي كـان ذا ميـول يسـارية,‡ وقـد أقتـنى كل منا بعض الاشـياء البـسـيطة، لأنهـا كــانت أرخص سـعـرا بـكثـيـر  مما هي  فـي برلين الغـربيــة,‡ وفي طريق العـودة أوقـفتنا الـشرطة الشًـرقـيـة، وأخـبرونا ˆبممنـوعيـة شـراء أي شيء من برلين€ الشـرقــيـة، لاننا كنا غـيـر مــقـيـمين€ هناك,‡ وقـد أدعـيت لـلشـرطة بان جـمـيع تـلك الاشـيـاء تعـود لي، وذلك لـتـجنيب الاخـرين أية مــسـؤوليـة أومـشكـلة باعـتــبـارهم طلابا، وتحــملت انا جــمـيع المسؤولية, وأجـروا مــعنا تحقـيقاً دقيـقاً وسألوني، عن كـيفية تمكني من زيارة هذه الاماكن ومن أين لي المال الـلازم لذلك، وكــيف ان مـــحــامــيــاً يتــمـكن من تســديـد كل هذه النفقات?! وقد أستغرق ذلك وقتاً طويلاً لافـهامهم بحقيقة الوضع، وكيف ان العـلاقات السـياسـية قـد تغيـرت بين€ الدول الشرقـية والعـراق اثر قيـام ثورة 14تموز ، لكن كـــان مـن الصـــعب ادراكـــهـم لذلك,‡ ثم قـــابـلنا ثـلاثة اشخاص كـانوا جالسين وراء مكتب على شكل محكمة، فطلبـوا منا مبلغاً كبيرا من المال وبالعملة الغربيـة فامتنعنا عن ذلك، ورفضنا دفع أي مبلغ‡, وبعـد اجراء التـخفـيض على المبلغ عدة مـرات قررنا الرفض وعـدم دفع أي مـبلغ، فـقـالوا: انهم سـوف يحـتـفظون بتلك الاشـيـاء، وان علينا ان نراجـعـهم بعد عدة ايام من ذلك التاريخ‡, وغادرنا المكان ولم نراجعهم لاستلامها، اذ لم يكن بامكاننا الانتظار طوال تلك المدة من أجل اشياء بسيطة.

 

وبعــد ان قـــضــيت بضــعــة ايـام في برلين€، ســافـــرت من هناك الى فـــينا عاصـمة النمسـا، حيث كان شـقيقي الاصـغر عـمر يقيم فـيها للدراسـة,‡ أماسـعــدي ومـحـمــود فـقـد عــادا الى مـيـونيـخ‡,  ومن هناك عـاد ســعـدي الى بريطانيــا لاكـمـال دراسـتـه فـيـهـا‡, وفي فــينا التـقـيت مـالك عــبـدالحـمـيـد الياسري، الذي كنت أعرفه من قبل وكان صديقاً مقرباً لشقيقي عمر ،وكان يقــيم في فـيـنا للدراسـة أيـضـاً‡, وقـد قــضـيـت هناك ايامـاً  ممتعة أطلعت خلالها على معالم المدينة الاثرية والسياحية..

وفي اواخـر شـهـر آب أو اوائل شـهـر ايلول 1958، سـافـرت الى تركـيـا‡, وبعـد أن أمـضــيت اسـبـوعـاً في اسـتــانبـول سـافـرت الى انقــره، حـيث كـان شــقـيــقي انور يـواصل دراسـتــه في السـنة الاخـيــرة بكلـيـة الطـب‡, وهناك التقيـت بعدد من الطلبة الكرد العراقـيين،€ وكذلك بعدد من كرد تركـيا من اصـدقــاء شـقــيـقـي انور ،وكـان من بـينهم بعض النـواب والمهندسين€ وطلـبـة الجـامعـة وضبـاط الجيش,‡ وفي مـساء احـد الايام وبينمـا كنا مدعـوين في دار احــد هـؤلاء وهو المرحوم المهندس (شــوكت جـــلي قناة) ،الـذي كــان صديـقاً لشـقيقي انـور وصديقـاً لنا جمـيعـا ،حيث سبـق له ان زار كردسـتان العـراق في صيف العـام  1953وأمـضى بضعـة اسـابيع بيننا، وفي قـريتنا مـتجـولاً في انحـاء كـردسـتان ومـصـايفـها‡ وفي اثنـاء دعوة العـشـاء تلك أذيع من اذاعـــة بغــداد نـبــأ، تبـــادل البــرقـــيــات بين€ مــصـطفى البـــارزاني وعـبـدالكـريم قـاسم ونبـأ قـرب عـودة الـبـارزاني الى العـراق، فـفــرحنا بذلك كثـيراً وتحولت دعـوة العشاء تلك الى حـفلة رقص ودبكات واناشيـد بهذه المناسبة، وكــانت صــاحـبــة الدار المذكورة امـراة عــجـوز هي والدة زوجــة المهندس شـوكت، ورغم انها فـرحت بالنبأ وباحـتفالـنا لكنها ابدت علامات القلق والحـسـرات‡, ولما  اسـتفـسـرنا منهـا عن السـبب قـالت انهـا قلقـة على مـستـقـبلنا ومـصيـرنا، وانهـا تخـشى ان يحل بنا -أي الكُرد في العـراق- مـاحل بهم هم كرد تركـيـا، لانهـا أعـتـبـرت جـمـيع المحـيـطين بنا هم اعـداء الكُرد‡, ورغم محاولتنا تطمـينها والتخفيف من قلقهـا لكنها أصرت على رأيهــا,‡ وقـد صـدق حــدسـهــا فـيــمـا بعــد.. وبعـد حــوالي أسـبــوع أي في منتـصف شـهـر أيلول 1958 ،عـدت الـى العـراق وقـد حـملني اخـواننا كُـرد تركيا ،تحياتهم وتمنياتهم الطيبة الى اخوانهم الكرد في العراق.

* بعـد عودتك الى العـراق,‡ كيف وجـدت الاجـواء السيـاسيـة انذاك اثر قيام ثورة 14تموز?

– بعد عودتي الى العراق أمضيت أياماً في بغداد، عشت خلالها أجواء ثورة 14تموز وافراحـها رغم مرور شـهرين على قـيامهـا، و وجدت كل شيء قد تغيـر,‡ وكان هنالك جو من الحرية والديمقراطية مشوباً ببـعض الفوضى والارباك,‡ وشـاهدت افـراد الشـعب منشـغلين بالمسيرات والمظاهرات ورفع الشعارات والهـتافات المختلفـة، دون الانصراف الى الخدمة العـامة الجدية‡, وكل جـهـة حـزبيـة أو سـيـاسـيـة كـانـت تحـاول الحـصـول على اكـبـر قـدر من المكاسب الحزبيـة,‡ وكانت الصحف المختلفـة تقوم بتأييد هذه الجـهة والنيل من الجـهــة الاخـرى,‡ وكـانت بداية الصــراعـات والخـلافـات والتنافـس غـيـرالشـريف بين€ الاحـزاب والتـيـارات السـيـاسـيـة، بادية للعـيـان، بل كـانت في ازدياد يومي لدرجة لايحمد عقباها ونتائجها السلبية على البلاد.

 

قد يعجبك ايضا