أحمد حكمت دوسكي – أستاذ العلاقات الدولية
في زمنٍ كانت فيه لغة الانقلابات العسكرية و الاضطرابات السياسية هي السائدة في الشرق الأوسط، وفي مرحلةٍ كانت السلطة تُنتزع بالقوة لا بالصندوق، ظهر اسم السيد مسعود بارزاني كحالةٍ استثنائية في التاريخ السياسي الحديث للمنطقة.
فالرجل لم يكن مجرد زعيمٍ كرديٍّ محلي، بل قائدٌ حمل رؤية تتجاوز حدود الجغرافيا، إذ جعل من الانتخابات والتداول السلمي للسلطة أساسًا للشرعية، في وقتٍ كانت فيه الديمقراطية تبدو ترفًا سياسيًا في العالم العربي.
من الثورة إلى الشرعية السياسية
منذ أن تسلّم الزعيم مسعود بارزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني خلفًا لوالده الزعيم مصطفى بارزاني، كانت قناعته راسخة بأن الكفاح الوطني لا يكتمل إلا بتحقيق شرعية سياسية قائمة على الإرادة الشعبية.
ففي عام 1992، دعا إلى إجراء أول انتخابات حرة في إقليم كوردستان العراق — وهي سابقة لم يشهدها أي كيان في الشرق الأوسط آنذاك.
كانت تلك الانتخابات تحت إشراف مراقبين محليين ودوليين، وقد مثّلت إعلانًا عن ميلاد تجربة سياسية فريدة، انتقلت فيها الحركة الكردية من مرحلة الثورة المسلحة إلى مرحلة بناء المؤسسات عبر صناديق الاقتراع.
لقد تحوّل الإقليم بفضل تلك المبادرة إلى نموذجٍ سياسي متقدّم، أفرز برلمانًا منتخبًا وحكومة محلية شرعية، في وقتٍ كانت فيه معظم دول المنطقة تعيش على وقع الاستبداد وتجميد الإرادة الشعبية.
ثقافة المشاركة والتعددية
ما ميّز نهج بارزاني أنه لم يتعامل مع الديمقراطية كآلية انتخابية فقط، بل كثقافة حكم وممارسة سياسية.
لقد سمح بانفتاح المشهد السياسي الكردستاني على قوى مختلفة، بما فيها الأحزاب المعارضة، إيمانًا منه بأن الاختلاف يُدار لا يُقمع.
في هذا السياق، أسس الحزب الديمقراطي الكوردستاني تجربة تعددية ناضجة في إطارٍ وطني، استطاعت أن توازن بين الهوية القومية الكردية والانتماء العراقي، وأن تؤسس لتداولٍ سلميٍّ للسلطة داخل الإقليم — وهو أمر لم يكن مألوفًا في محيطٍ عربيٍّ تغلب عليه ثقافة الحزب الواحد.
من النموذج الإقليمي إلى التأثير الوطني بعد 2003
بعد سقوط النظام العراقي عام 2003 ودخول العراق في مرحلة بناء النظام الديمقراطي، برز تأثير تجربة مسعود بارزاني والحزب الديمقراطي الكردستاني في تشكيل وتثبيت مفهوم الانتخابات الوطنية.
لقد كانت تجربة كوردستان مرجعًا جاهزًا في إدارة الانتخابات، حيث اكتسبت الأحزاب الكردية خبرةً تنظيمية وإدارية جعلتها فاعلاً أساسيًا في تأسيس المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، وفي صياغة القوانين التي نظمت أول اقتراعٍ وطني في تاريخ العراق الحديث عام 2005.
أكثر من ذلك، ساهم السيد مسعود بارزاني في تعزيز القبول بالعملية الانتخابية على المستوى الوطني عبر خطابه الداعم للمشاركة السياسية. ففي أكثر من مناسبة، دعا القوى العراقية إلى “الاحتكام لصوت الشعب بدلًا من صوت السلاح”، مؤكدًا أن الديمقراطية التي بدأت في كردستان يجب أن تكون “ثقافة دولة، لا ثقافة إقليم” (خطاب أربيل، كانون الثاني 2004).
وبفضل هذا الدور، كانت القوى الكوردية أول من شارك في رسم خارطة الانتخابات العراقية، سواء في كتابة الدستور الدائم عام 2005، أو في بناء توازنات السلطة عبر التحالفات الانتخابية.
لقد قدّم بارزاني نموذجًا لقيادةٍ تجمع بين الواقعية السياسية والتمسك بالمبدأ الديمقراطي، ما جعل من المشاركة الكردية في الانتخابات العراقية عامل استقرار لا تهديد، ومصدر شرعيةٍ وطنية لا انقسام.
التأثير الإقليمي واستمرار الفكرة الديمقراطية
لم يقتصر تأثير التجربة الكوردية على العراق فقط، بل أصبح نموذجًا إقليميًا أثبت أن التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط ممكن حين يقوده زعماء مؤمنون بالشرعية الشعبية.
فكثير من المراكز البحثية الغربية والعربية تناولت تجربة بارزاني بوصفها “النقطة الأولى التي انطلقت منها فكرة اللامركزية الديمقراطية في المنطقة”، كما أشار تقرير معهد كارنيغي للسلام الدولي عام 2008.
لقد مثّل الحزب الديمقراطي الكوردستاني بزعامة بارزاني نقطة توازن بين الثابت القومي والانفتاح السياسي، وهو ما منح التجربة الكردية مصداقيةً داخلية وتأثيرًا خارجيًا.
وفي هذا السياق، أصبحت كوردستان العراق مركزًا للحوار السياسي والتعددية الفكرية في وقتٍ كانت فيه العواصم العربية تشهد اضطراباتٍ وصراعاتٍ على السلطة.
ريادة فكرية قبل أن تكون سياسية
لم يكن الزعيم مسعود بارزاني مجرد سياسيٍّ يدير شؤون الحكم، بل مفكر سياسي أدرك مبكرًا أن السلطة بلا شرعية شعبية زائلة مهما امتدت.
ففي خطابٍ له بمناسبة مرور عقدٍ على أول انتخابات كوردستانية، قال بارزاني:
“الانتخابات ليست واجبًا سياسيًا فحسب، بل هي عقدٌ أخلاقي بين القائد والشعب، يُجدّد فيه الشعب ثقته أو يسحبها.” (خطاب أربيل، أيار 2002).
بهذا المعنى، كانت رؤيته الديمقراطية جزءًا من فلسفته في الحكم، والتي تقوم على أن الكفاح المسلح وسيلة مؤقتة، أما الشرعية الحقيقية فتُبنى في صناديق الاقتراع.
لقد قدّم بارزاني بذلك طفرة فكرية في العقل السياسي للشرق الأوسط، جمعت بين واقعية القيادة وحكمة التجربة التاريخية.
خاتمة
إن تجربة الزعيم مسعود بارزاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني لم تكن مجرد فصلٍ في تاريخ العراق الحديث، بل كانت تأسيسًا لمرحلة جديدة من الوعي السياسي في المنطقة.
لقد أثبتت أن الديمقراطية لا تُستورد، بل تُصنع بالإرادة، وأن القيادة التي تؤمن بالشعب تُخلّدها صناديق الاقتراع لا صور الميادين.
وبعد عام 2003، تحوّلت تلك التجربة إلى عامل توازن واستقرار داخل النظام العراقي، وأسهمت في ترسيخ مفهوم الدولة التعددية القائمة على الإرادة الشعبية.
وفي زمنٍ ما تزال فيه كثير من دول الشرق الأوسط تتعثّر في طريق التحول السياسي، تبقى تجربة كردستان بقيادة بارزاني شاهدًا على أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الإيمان بقدرة الناس على اختيار مصيرهم.