موعد مع حبل المشنقة!

أحمد زبير باني

في دهوك، شمال كوردستان، حيث تتعانق الجبال مع الغيم، تقف قلعة نزاركى – مكان محفور في ذاكرة التاريخ ليس كأثر حجري فقط، بل كجرح مفتوح على وجه الإنسانية.

خلال حملة الأنفال السيئة الصيت التي قام بها النظام البعثي المقبور في العراق، تحولت القلعة إلى معسكر واسع من غرف التعذيب، الإعدامات الجماعية، والإبادة المنظمة للشعب الكوردي.

كل غرفة فيها شاهدة على الألم والمعاناة، كل ركن منها يروي قصة انتهاك للكرامة الإنسانية. وسط هذا الرعب، على أحد جدرانها المتآكلة، وُجدت جملة واحدة، لكنها ترمز لكل الحكاية ولروح الصمود:

((أمي، غدًا في الصباح الباكر لي موعد مع حبل المشنقة)).

يا لثقل الكلمات على القلب! ليست رسالة وداع عادية، بل صرخة وعي أخيرة في وجه العدم. لم يكتبها صاحبها بيد مرتجفة، بل بثبات من أدرك أن الموت في سبيل الكرامة لا يُرعب، بل يُطهّر.

كان الشاب الكوردي يعلم أن الفجر الذي ينتظره ليس فجرًا للنجاة، بل فجرًا للخلود. سمع وقع أقدامهم في الخارج وهم يتهيؤون للمشنقة، فيما كان هو يتهيأ للسماء.

كتب لأمه، لا ليطمئنها، بل ليكمل بها رسالته الأخيرة إلى الحياة: ((أمي، لا تبكي إن رأيت الحبل يلتف على عنقي، فالحبل في أعناق الأحرار لا يخنق.. بل يرفعهم إلى علو الوطن)).

مشهد الرئيس مسعود بارزاني أمام الجدار

مشهد الرئيس مسعود بارزاني وهو يقف أمام هذه الكتابة، هو مشهد لقائد يحمل ثقل التاريخ على كتفيه. وقف الرئيس أمام هذا الجدار، فلم يرَ فيه نقشًا قديمًا، بل وصية وطنٍ من تحت التراب. قرأ الجملة كما تُقرأ الآيات، لا بالحروف، بل بدم القلب.

عيناه على الكلمات، لكن فكره ووجدانه معانق لحزن وألم كل تلك الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن دون وداع. بارزاني هنا لا يقرأ مجرد نص، بل يرى بأم عينيه ويستشعر تضحية ومظلومية الشعب الكوردي بأكمله.

هذه الكتابة هي صوت الصمت لآلاف الضحايا الذين لم تُعرف قبورهم أبدًا. هذا ليس كلام شاب واحد، بل نداء أمة بأكملها… أمة وقفت أمام المشنقة وقالت:
(لن أموت).

في صمته أمام الجدار، كان بارزاني يُنصت إلى التاريخ، إلى آلاف الأرواح التي تركت على الحجارة أثرًا لا يُمحى. ولم يكن المشهد سياسيًا فقط، بل طقسًا روحيًا بين القائد والذاكرة – بين الجرح والإرادة، بين الحزن والنهضة.

إنه قائد ليس كمثله أحد، يحمل على كتفيه آهات وألم الالاف من الشعب الكوردي، يقرأ وجعهم ويصغي لصرخاتهم، ويجعل من قيادته تاجًا للوفاء والحرية.

هذا ليس مجرد نص كُتب بالقلم، بل هو روح التضحية وعظمة الشهادة. في تلك اللحظة التي يودع فيها الأنفال أمه وعائلته بغير أمل في الحياة، كان يعلم أن الغد هو موعده مع الموت، ولكنه أيضًا موعد لخلود رسالة الكورد.

يا لها من عظمة في هذه البصمة التي تجسد عظمة أمة لم تخضع للظلم أبدًا، ومضت قدمًا بقلب مفتوح!

قلعة نزاركى: برهان للعالم

قلعة نزاركى لم تكن مجرد مكان لاعتقال الشباب، بل كانت مقبرة خفية بناها النظام العراقي بيديه. هذه الجدران تروي كل قسوة ووحشية نظام حاول محو العرق الكورد من وجه الأرض.

عندما نتأمل عبارة:

((أمي، غدًا في الصباح الباكر لي موعد مع حبل المشنقة)). ندرك ما كان يدور في قلب ذلك الشاب المظلوم. كان يعلم أنه سيموت، لكنه كان يعلم أيضًا أن رسالته وهدفه لن يموتا.

هذه الكتابة ليست رسالة يأس، بل دليل على الشهامة والانتظار للحرية. فليعلم العالم أن قلعة نزاركى هي برهان على جريمة ضد الإنسانية، وهذه الكتابة ستبقى قوة أبدية وميراثًا لمستقبل الشعب الكوردي ، ولقادتنا ليحملوا هذا الجرح ولا ينسوه أبدًا.

الختام – وصيّة الشهداء

أيها الذين تمرّون على جدران نزاركى، اقرأوا الجملة لا بعينكم، بل بقلوبكم. ضعوا أيديكم على الحجر، واسمعوا دقّات الذين مضوا، ستسمعونهم يقولون:

((أمي، غدًا في الصباح الباكر لي موعد مع حبل المشنقة.. لكن لا تخافي يا أمي، فالموت لا يعرف الطريق إلى من يكتب بالدم اسم الحرية)).

خاتمة

قلعة نزاركى في دهوك ليست مجرد جدار قديم في كوردستان العراق، بل مرآة ضمير الإنسانية، وسجل مفتوح لصرخات لم تُسمع بعد. هناك، على جدار الموت، وُلدت الكلمات التي جعلت من الفناء خلودًا، ومن المشنقة منبرًا للحياة، ومن دماء الأبرياء نشيدًا خالدًا للكرامة الكوردية.

إهداء

هذه المقالة مهداة إلى الرئيس مسعود بارزاني، القائد الذي يحمل آهات وألم الشعب الكوردي على كتفيه، ويستمع لصوت كل ضحية لم تُنسى، ويجعل من قيادته تاجًا للوفاء والحرية، ومرآة لأمل الأمة الكوردية.

قد يعجبك ايضا