د. رزكار حمه رحيم بينجويني
إن المنهج المتبع من قبل الدساتير هو عدم وضع تعريف للحقوق السياسية والاكتفاء بذكر أنواع الحقوق السياسية في صلب الوثائق الدستورية تاركاً تفاصيل هذه الحقوق إلى المشرع العادي، فمثلاً حق المشاركة في الحياة السياسية، نجد إن الدستور الفرنسي الصادر سنة 1958 ذكر حق المشاركة في الحياة السياسية من خلال بيان الأساس الفلسفي لحق المشاركة إذ نص على إن (السيادة الوطنية ملك الشعب، وهو يمارسها بواسطة ممثليه وعن طريق الاستفتاء، ولا يجوز لأي فئة من الشعب أو أي فرد أن يسوغ لنفسه حق ممارسة السيادة الوطنية، يمكن أن يكون الاقتراع مباشراً أو غير مباشر وفق الشروط المنصوص عليها في الدستور ويجب أن يكون دائماً عاماً وسرياً وفق مبدأ المساواة ، ويعتبر ناخبون وفق الشروط المحددة في القانون جميع المواطنين الفرنسيين البالغين سن الرشد من الجنسين والمتمتعين بحقوقهم المدنية والسياسية).
في العراق أشار دستور عام 2005 إلى المشاركة في الحياة السياسية في فرع الحقوق المدنية والسياسية إذ نص على ما يأتي: (للمواطنين رجالاً ونساء، حق المشاركة في الشؤون العامة، والتمتع بالحقوق السياسية، بما فيها حق التصويت والانتخاب والترشيح) وأساس هذا الحق هو مبدأ سيادة الشعب الذي تضمنته المادة (5) من الدستور ذاته بقولها (السيادة للقانون، والشعب مصدر السلطات وشرعيتها، يمارسها بالاقتراع السري العام المباشر وعبر مؤسساته الدستورية) والى جانب التحديد الدستوري للحقوق السياسية اعتنى المشرع العادي بتحديد أبعادها ومنها حق العمل الحزبي .
ففي فرنسا وعلى الرغم من عدم تشريع قانون خاص بالأحزاب إلا إن الأحزاب فيها تخضع لقانون الجمعيات العام الصادر عام 1901 وجاء في المادة (2) منه ما يأتي (جمعيات الأشخاص تتكون بكل حرية دون حاجة للحصول على ترخيص أو إخطار مسبق) وينطبق على الحزب تعريف الجمعية الذي أوردته المادة (1) من القانون المشار إليه وهو (اتفاق يتعهد بموجبه شخصان أو أكثر بان يخصصوا معلوماتهم أو أنشطتهم بصفة دائمة لتحقيق غرض غير اقتسام الأرباح).
وفي مصر عرف القانون الخاص بنظام الأحزاب السياسية رقم (40) لسنة 1977 المعدل الحزب بأنه (يقصد بالحزب السياسي كل جماعة منظمة تؤسس طبقاً لأحكام هذا القانون وتقوم على مبادئ وأهداف مشتركة وتعمل بالوسائل السياسية الديمقراطية لتحقيق برامج محددة تتعلق بالشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة وذلك عن طريق المشاركة في مسؤوليات الحكم) أما في العراق فقد حدد قانون الأحزاب الملغى مفهوم الحزب بأنه (تنظيم سياسي يتكون من أشخاص تجمعهم مبادئ وأهداف مشتركة ومنهاج محدد ومعلن ويعمل الحزب بوسائل مشروعة وسليمة وديمقراطية في إطار النظام الجمهوري طبقاً للدستور والقانون).
وبعد صدور قانون الأحزاب والهيئات السياسية بموجب أمر سلطة الإتلاف أعطى مفهوماً للحزب يدخل من ضمن الكيانات السياسية وكما مبين في النص الأتي: (تعني عبارة الكيان السياسي: أي منظمة بما في ذلك أي حزب، تتكون من ناخبين مؤهلين يتآزرون طواعية على أساس أفكار أو مصالح أو آراء مشتركة بهدف التعبير عن مصالحهم ونيل النفوذ وتمكين مندوبيهم من ترشيح أنفسهم لمنصب عام شريطة حصول هذه المنظمة المكونة من الناخبين المؤهلين على المصادقة الرسمية ككيان سياسي من قبل المفوضية المستقلة للانتخابات)، أما مشروع قانون الأحزاب فقد عرف الحزب السياسي بأنه (كل جماعة عراقية منظمة على أساس مبادئ وأهداف مشتركة تساهم في تشكيل الإرادة السياسية على المستوى الاتحادي أو الإقليم والمحافظات وتشارك في الشؤون العامة وتمثيل الشعب في مجلس النواب أو مجالس الأقاليم أو مجالس المحافظات غير المنتظمة بتحقيق برامج محددة تتعلق بالشؤون السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية للدولة وتمارس نشاطها بالوسائل الديمقراطية بهدف تداول السلطة رسمياً أو المشاركة فيها ).
لدى اطلاعنا على المصادر لم نجد حكماً في القضاء الفرنسي يعطي تعريفاً للحقوق السياسية بشكل عام أو لأي صورة من صور هذه الحقوق. أما القضاء المصري فقد قام بتعريف أحد هذه الصور وهو الحزب إذ عرفت المحكمة الدستورية الأحزاب السياسية بأنها (جماعات منظمة شعبية تعني أساسا بالعمل بالوسائل الديمقراطية للحصول على ثقة الناخبين بقصد المشاركة في مسؤوليات الحكم لتحقيق برامجها التي تستهدف الإسهام في تحقيق التقدم السياسي والاجتماعي والاقتصادي للبلاد) وعرفت كذلك محكمة النقض المصرية الأحزاب السياسية بأنها (إن الأحزاب السياسية هي جماعات منظمة تقوم على مبادئ وأهداف مشتركة لتحقيق برامج محددة تتعلق بالشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة وتعمل باعتبارها تنظيمات وطنية وشعبية وديمقراطية على تجميع المواطنين وتمثيلهم سياسياً) ، وقد كان هذا التعريف مشابهاً لتعريف الحزب الذي أورده القانون الخاص بنظام الأحزاب السياسية رقم (40) لسنة 1977 المعدل.
أما موقف القضاء العراقي فنجد إن محكمة التمييز الاتحادية عرفت الحقوق السياسية في إحدى قراراتها بقولها (…فالحقوق السياسية هي الحقوق التي يكتسبها الشخص باعتباره عضواً في هيأة سياسية كحق الانتخاب وحق الترشيح وحق تولي الوظائف العامة، أما الحقوق غير السياسية فهي الحقوق اللازمة للإنسان باعتباره فردا في مجتمع والتي لا يمكنه الاستغناء عنها وتنقسم إلى حقوق عامة وحقوق مدنية، فالحقوق العامة هي الحقوق المقررة لحماية الشخص نفسه وحريته وماله كالحق في التنقل وفي الاجتماع وفي الاعتقاد وفي تملك الأشياء وحق العمل ويتمتع بها الناس جميعاً في حدود القانون وهذه الحقوق تسمى أيضا الحقوق الطبيعية أو حقوق الإنسان…) .