حسو هورمي
تُعدّ السينما واحدة من أبرز الوسائط الثقافية القادرة على التأثير في الوعي الجمعي وتشكيل الذاكرة التاريخية. فهي، بوصفها فناً بصرياً وسردياً، تتيح إعادة تمثيل الواقع وتمكين المشاهد من معايشة الأحداث عبر تجربة حسية وفكرية مركّبة. وعندما تتناول موضوعات ذات حساسية إنسانية قصوى، مثل الإبادات الجماعية، تتحول من مجرد وسيلة فنية إلى أداة توثيق وتأمل ومساءلة أخلاقية.
ومن بين هذه الإبادات التي أثارت اهتمام السينما المعاصرة، تأتي الإبادة الجماعية ضد الإيزيديين، وهي واحدة من أكثر الجرائم المأساوية في القرن الحادي والعشرين. فقد تعرّض الإيزيديون، عام 2014، لحملة إبادة منظمة على يد تنظيم “داعش” الإرهابي.
شملت تلك الحملة القتل الجماعي، والاستعباد الجنسي للنساء، وتجنيد الأطفال، وطمس الهوية الثقافية والدينية، ما ترك جروحًا عميقة في الذاكرة الإنسانية.
أمام هذه الفظائع، وجدت السينما نفسها أمام مسؤولية مضاعفة: توثيق المأساة، إحياء الذاكرة، وإثارة الأسئلة الأخلاقية والجمالية حول كيفية تمثيل هذا الكم من الألم دون خيانة الحقيقة أو كرامة الضحايا.
أولاً: السينما كوسيلة توثيق وحفظ للذاكرة الجماعية
منذ بداياتها، مثّلت السينما أرشيفًا بصريًا للتاريخ الإنساني. وفي سياق الإبادات الجماعية، اكتسبت وظيفة مزدوجة: فهي من جهة توثق الجرائم والشهادات لتكون سجلًا مضادًا للإنكار، ومن جهة أخرى تخلّد الضحايا وتمنحهم حضورًا إنسانيًا يحول دون اختزالهم في أرقام وإحصاءات.
أفلام مثل “Shoah” (كلود لانزمان، 1985) و”Hotel Rwanda” (تيري جورج، 2004) شكّلت نماذج راسخة لهذا الدور التوثيقي؛ إذ اعتمدت على الشهادات الحية والسرد الواقعي لتجعل من فعل التذكّر نفسه ممارسة أخلاقية. وعلى خطى هذه التجارب، جاءت السينما الحديثة لتتناول الإبادة الجماعية ضد الإيزيديين بوصفها استمرارًا لهذا الهمّ الإنساني في مواجهة النسيان.
ثانياً: السينما والإبادة الإيزيدية – الفن كذاكرة وشهادة على الألم
لم تعد السينما هنا مجرد مرآة للأحداث، بل تحوّلت إلى مساحة للشهادة والمقاومة الثقافية. فهي لا تنقل الصورة فحسب، بل تحوّل الألم إلى سرد بصري يلامس الضمير العالمي. وقد سعت مجموعة من الأفلام الوثائقية والروائية إلى نقل مأساة الإيزيديين بأمانة وإنسانية، من أبرزها:
• “Girls of the Sun” بنات الشمس – 2018
فيلم فرنسي من إخراج إيفا أوسون، يتناول قصة نساء إيزيديات التحقن بالمقاومة بعد نجاتهن من الأسر، ليجسد قوة المرأة وقدرتها على التحول من ضحية إلى مقاتلة.
• “On Her Shoulders” (على عاتقها) – 2018
وثائقي عن نادية مراد، الناجية الإيزيدية الحائزة على جائزة نوبل للسلام، يروي رحلتها من العبودية إلى المنابر الدولية، كرمز للنضال من أجل العدالة والاعتراف.
• “Sabaya” (سبايا) – 2021
فيلم سويدي يوثق جهود متطوعين لإنقاذ نساء إيزيديات أسيرات في مخيمات داعش بسوريا، مقدّمًا مشاهد حقيقية مؤثرة عن الشجاعة والإنسانية وسط الدمار.
• “The Last Yazidi Genocide”
عمل وثائقي يسلط الضوء على الجرائم التي ارتكبها تنظيم داعش في سنجار، من خلال شهادات الناجين وصور ميدانية.
• – “The Virgin and Child” 2024
للمخرجة البلجيكية بنفشه بيريفان، والذي يدور حول قصة ناجية إيزيدية من براثن داعش وتنتهي بها الحال في بروكسل للانتقام من الرجل الذي استعبدها. بين كفاحها من أجل العدالة الذي يجعلها تستعيد أحلك ساعاتها، واضطرارها إلى أن تكون أمًا لطفل غير مرغوب فيه، تقاتل وتناضل الناجية أفيستا من أجل أن يُسمع صوتها مهما كلف الأمر.
• “73 Voices of Sinjar” و “Letters from Yezidis”
أفلام قصيرة عراقية وكوردية ركزت على شهادات حقيقية للضحايا، وأسهمت في بناء أرشيف بصري ووطني للذاكرة الإيزيدية. من خلال هذه الأعمال، تحوّلت السينما إلى وسيلة للتوثيق والمساءلة، وجسر يربط بين الذاكرة المحلية والمجتمع الدولي.
ثالثاً: البعد الأخلاقي والجمالي في تمثيل المأساة
يثير تمثيل الإبادة الجماعية على الشاشة إشكالات أخلاقية وجمالية شديدة الحساسية، تتعلق بحدود التمثيل واحترام كرامة الضحايا. فكيف يمكن نقل الفظاعة دون الوقوع في الاستعراض أو الإثارة البصرية؟
يحذّر مفكرون مثل سوزان زونتاغ وديدي-هوبرمان من تحويل المعاناة إلى مادة جمالية تُفرغ المأساة من معناها الأخلاقي. بعض المخرجين واجهوا هذا المأزق باللجوء إلى تقنيات رمزية وتعبيرية بديلة، مثل استخدام الحذف البصري (Off-screen) أو الدمى كما فعلت المخرجة الكمبودية ريثي بان في “The Missing Picture” (2013)، لتجنّب استغلال الألم بصرياً.
وهكذا، لا تسعى السينما الإيزيدية إلى إعادة إنتاج العنف، بل إلى التفكير في معناه وإعادة تمثيله بكرامة وإنسانية.
رابعاً: السينما كأداة للعدالة والذاكرة الجماعية
تجاوزت السينما دورها في التوثيق إلى أن أصبحت منصة للعدالة الرمزية. فهي:
• توثّق الجرائم كأدلة بصرية ضد النسيان والإنكار.
• تعيد الاعتبار للهوية الإيزيدية التي حاولت داعش محوها.
• تثير تعاطف المجتمع الدولي وتدعم جهود المنظمات الإنسانية في المطالبة بالمحاسبة.
• تتيح للضحايا والناجين مساحة للنطق والتعبير عن معاناتهم، مما يسهم في العلاج النفسي الجماعي.
بهذا المعنى، تتحول السينما إلى قوة علاجية ومعرفية، تساهم في إعادة بناء المجتمع بعد المأساة.
خامساً: التحديات التي تواجه السينما في تناول الإبادات
تواجه السينما، في تمثيلها للإبادات عامة والإبادة الإيزيدية خاصة، جملة من التحديات:
1. قلة التمويل وضعف الإنتاج المحلي في مناطق النزاع.
2. الرقابة السياسية والخشية من إثارة حساسية دينية أو دولية.
3. المخاطر الأمنية في مناطق التصوير مثل سنجار.
4. إشكالية تمثيل الضحايا أخلاقياً دون الوقوع في استغلال الألم.
5. غياب الدعم المؤسسي لإنشاء أرشيف وطني للأفلام الحقوقية.
رغم ذلك، فإنّ الإصرار على إنتاج هذه الأفلام يؤكد أن السينما لا تزال مساحة للحق والذاكرة والمقاومة الثقافية.
سادساً: آفاق المستقبل
من أجل أن تستمر السينما في أداء رسالتها الإنسانية، يُقترح:
• دعم الإنتاج السينمائي الإيزيدي المحلي وتدريب مخرجين من أبناء المجتمع نفسه.
• تأسيس مهرجانات لأفلام حقوق الإنسان تخصص فئات للأقليات المضطهدة.
• دمج شهادات الناجين في المناهج التعليمية والبرامج الثقافية.
• توثيق الجرائم من خلال شراكات بين السينما والعدالة الانتقالية، لضمان حضورها في الوعي القانوني والفني.
خاتمة
تؤكد تجربة السينما في تناول الإبادات الجماعية، وبخاصة الإبادة الإيزيدية، أن الفن ليس ترفًا، بل أرشيف للذاكرة الإنسانية ومختبر للأسئلة الأخلاقية. إنها تمنح الضحايا صوتًا، وتمنح العالم فرصة للتفكير في معنى العنف والإنسانية والعدالة. فكل مشهد يُعرض هو شهادة على الألم ودعوة إلى الوعي.
وهكذا، تظل السينما، حين تُمارس بوعي ومسؤولية، جسرًا بين الذاكرة والأمل، بين الماضي الجريح والمستقبل الممكن.