ألمُ الفقد

 

التآخي : وكالات

ليست الفواجعُ وحدها من تكشفُ معدنَ الناس، بل الصمتُ الذي يليها. حين يرحلُ من نحب، يرحلُ معه الامتحانُ الأخيرُ للقلوب التي ادّعت القرب. فالموتُ لا يُطفئ الحياة، بل يُشعلُ الحقيقة.  تسلّل ضوءُ العصر باهتًا إلى غرفةٍ خلت من أنفاسها. جلس عيسى أمام سريرٍ لم يبقَ عليه سوى غطاءٍ مطويٍّ بعناية، يتأمّل صورةَ زوجتهِ المرحومةِ المعلّقةِ على الجدار. تمتمَ بصوتٍ مبحوح: “حتى السلام بطّلوا منه، يا أم حسن… كِلّ واحدٍ مشغول بنفسه.” في صباحِ يومِ الأربعين، التفتَ إلى ابنه قائلاً: ـ «ابني حسن، ناوي أذبح خروف على روح المرحومة، وادّعي الجيران والكَرايب.» فردّ حسنُ متردّدًا: ـ «بابا، الما جاك بحزنك، شيفيد تعزمه بوليمة؟» ابتسم الأبُ ابتسامةً شاحبة وقال: ـ «يمكن الله يهديهم يا ولدي، ويلمّنا مثل قبل.» تنهد حسن وقال: ـ «براحتك يا يابه… بس خاف تزعل إذا ما إجه أحد.»  حين أذّن الظهر، فرشَ عيسى المائدةَ بيدين مرتجفتين. انتظر طويلًا، لكن المقاعد ظلّت فارغة، والسكوتُ أوسعُ من الغرفة. كلُّ شيءٍ ساكنٌ إلا قلبُه، يضجُّ بنداءاتٍ لا يُجيبها أحد. خرجَ حسن إلى الزقاق، وفي رأسه فكرةٌ خاطفة. صرخَ بأعلى صوته: “الحكونة يا ناس! بيتنا احترك!” ركضَ بين البيوت وهو يلهث من شدّة الألم، لكن لم يُجبه أحد. النوافذُ موصدة، والوجوهُ خلف الأبواب صمّاء. فقط ثلاثةُ غرباءٍ تصادف مرورُهم في الزقاق، ومعهم سائقُ تكسي أوقف سيارتَه، حمل مطفأةَ الحريق وهرعَ معهم. دخلوا الدارَ مسرعين… فلم يجدوا نارًا، بل وجدوا الأبَ جالسًا حول مائدةٍ لم يلمسها أحد. نظرَ حسنُ إلى أبيه، ثم إلى الغرباء، وقال بصوتٍ متهدّج: “هؤلاء فقط يا والدي… هم من لبّوا النداء، وهم من يستحقّون الوليمة.” ابتسمَ عيسى ابتسامةً دامعة، وقال في نفسه: “ما أعظم الله حين يُريك الناسَ على حقيقتهم بامتحانٍ صغير.” جلسَ مطرقًا، والدمعةُ تتأرجح في عينيه. أدرك أن الولائم لا تُقامُ بالطعام، بل بالموقف، وأن الإنسان لا يُكرَّمُ بموته، بل بصدقِ من يبقى بعده. ربّتَ على كتفِ ولده هامسًا: “وليدي… إنت على حق.” وفي تلك اللحظة، فهمَ حسنٌ أن أباه لم يخسر زوجته فقط، بل خسرَ العالمَ معها.

قد يعجبك ايضا