الذئب الذي أراد أن يصبح حمامة

ياسر بادلي

لم يكن صعود أحمد الشرع إلى واجهة المشهد السوري سوى فصلٍ جديد من تراجيديا الوطن الممزق، فصلٌ تختلط فيه الدماء بالشعارات، وتُستبدل فيه أقنعة القتلة دون أن يتبدّل جوهر القتل. فالرجل الذي عرفه العالم يوماً بأسماءٍ مستعارة تحت راية القاعدة، والذي حمل فكر الموت إلى العراق ثم عاد به إلى سوريا، يحاول اليوم أن يتوشّح ثوب الدولة والقيادة، متناسياً أن ذاكرة السوريين لا تُمحى بخطابٍ منمّق ولا بصورةٍ محسوبة أمام الكاميرات.

أحمد الشرع، أو الجولاني كما يعرفه الناس، لم يكن يوماً سوى تجسيدٍ للعنف المغلّف بالشعارات الدينية، والدم الذي يُسكب باسم الثورة أو الحق. في عهده احترقت قرى، وتفجّرت كنائس، وذُبح الأبرياء في الساحل والسويداء، بينما كانت آلة الكراهية تعمل بلا هوادة، تصنع أعداءً من كل من لا يشبههم في المذهب أو الفكر.

واليوم، يريد هذا الذئب أن يظهر في ثوب الحمامة، يحدّث العالم عن التسامح والإدارة والانضباط، فيما سجونه تعجّ بالمعتقلين، وصمته يخفي فظائع تُرتكب في الخفاء. تغيّرت المسميات، لكن السوط هو ذاته، والظلام ذاته، والخوف ذاته.

ليست هذه هي سوريا التي حلم بها أبناؤها حين خرجوا يطلبون الحرية. لم يقدّم الشهداء أرواحهم ليُستبدل طغيان الأسد بوصايةٍ جديدة أشد ضيقاً، ولا ليُبنى الوطن على ركام من الأيديولوجيا والإقصاء. فالسوريون لا يريدون دولة لحيةٍ ولا بندقية، بل دولة الإنسان، دولة القانون والكرامة، دولة تتسع للجميع وتُعيد للوطن روحه التي سُلبت.

سوريا التي نستحقها ليست تلك التي يحكمها المتطرفون بأسماء مختلفة، بل سوريا المدنية، التنويرية، الديمقراطية سوريا التي تنتمي إلى المستقبل، لا إلى الماضي المثقل بالدم والعقيدة.

فهذا الرجل لن يمثلني ما دمت حياً، ومن المخجل أن يمثلني إنسان متطرف تاريخه ملطخ بالعنف والدم. أين يمثل قيمي في الديمقراطية والسلام والمحبة؟ مهما طال حكمه، فالجولاني لا يمثلني، ولن يمثل وجه سوريا التي نحلم بها يوماً.

قد يعجبك ايضا