دياكو… من حُكم القبيلة الضيق إلى فكر الدولة الكبيرة

ماهين شيخاني

مؤسس أول إمبراطورية ميدية وواضع نواة الوعي الكوردي السياسي

من هو دياكو..؟.

دياكو أو ديوكس، كما ورد في المصادر اليونانية هو المؤسس الأول للإمبراطورية الميدية، وأحد أبرز الشخصيات التاريخية التي لعبت دورًا حاسمًا في تشكيل الهوية السياسية للشعوب الإيرانية والكوردية القديمة.

تُجمع معظم المصادر على أنه حكم ما بين عامي 727 – 675 ق.م، في مرحلة مفصلية من تاريخ المنطقة حين كانت الإمبراطورية الآشورية تفرض هيمنتها العسكرية والسياسية على معظم الممالك الصغيرة في الشرق الأدنى.

في تلك الحقبة المضطربة، أدرك دياكو أن بقاء القبائل الميدية في حالة التشتت يعني فناؤها، فعمل على توحيدها تحت سلطة مركزية واحدة، ليكون بذلك أول من أرسى فكرة الدولة الميدية المستقلة، التي اعتُبرت لاحقًا النواة الأولى لما يمكن تسميته اليوم بـ الكيان الكوردي التاريخي.

إنجازات دياكو وبدايات الدولة الميدية

تأسيس العاصمة هغمتانة (أكباتانا): أسس دياكو مدينة “هغمتانة” (همدان الحالية في إيران)، التي أصبحت لاحقًا العاصمة السياسية والدينية للإمبراطورية الميدية. كانت المدينة نموذجًا متقدمًا في التخطيط العمراني والإداري، وتضم القصر الملكي والمحاكم والمجالس.

تنظيم الدولة والإدارة

وضع دياكو نظامًا إداريًا وقضائيًا متقدّمًا، حيث أسس أول محكمة ملكية للفصل في النزاعات، وأدخل مبادئ العدالة بين القبائل. تشير روايات المؤرخ هيرودوت إلى أن دياكو كان يحكم بالعدل والحكمة، حتى إن شهرة عدالته هي التي دفعت القبائل لاختياره ملكًا عليهم.

توحيد القبائل الميدية

جمع دياكو القبائل المتفرقة والمستقلة، التي كانت تعيش في مناطق جبلية صعبة، وجعلها تحت راية سياسية واحدة، فكان بذلك أول من نقل الميديين من عصر القبيلة إلى عصر الدولة.

دياكو في المصادر التاريخية

ذكرت النصوص الآشورية دياكو باسم “دايوكو”، وأشارت إليه كحاكم ميدي تمرّد على سلطة آشور، بينما وصفه المؤرخ اليوناني هيرودوت في “التواريخ” بأنه أول ملك ميدي نظم البلاد وأسس سلطة مركزية. خلفه ابنه فراورتيس الذي وسّع نفوذ الدولة الميدية، لتصبح قوة كبرى في الشرق، قبل أن تتحد لاحقًا مع الفرس وتؤسس الإمبراطورية الأخمينية.

دياكو وفكرة “الهوية السياسية الكوردية”

ما يميز دياكو ليس فقط أنه أول من بنى دولة ميدية، بل أنه أول من صاغ مفهوم السلطة القانونية والعدالة المؤسسية في المنطقة. لقد انتقل بالمجتمع من الولاء للعشيرة إلى الولاء للقانون، ومن حكم القوة إلى حكم الشرعية، وهو ما يعد الجوهر الأول للوعي القومي والسياسي الكوردي الذي تطور لاحقًا عبر قرون.

فحين ننظر إلى نضالات الكورد الحديثة – في مهاباد أو هولير أو قامشلو – نرى في عمقها تلك الروح نفسها: السعي إلى العدالة والوحدة، وإلى تأسيس كيانٍ يعبّر عن الإنسان قبل القبيلة.

إرث دياكو… من ميديا إلى كوردستان المعاصرة

ما تركه دياكو ليس مجداً غابراً في ألواح التاريخ، بل فكرة متجددة عن وحدة المصير والكرامة. لقد كان أول من آمن بأن القبيلة وحدها لا تصنع وطناً، وأن العدالة يمكن أن تهزم البطش، وأن الإنسان الميدي – الكوردي – قادر على أن يكون سيد قراره.

ومن “هغمتانة” القديمة إلى مدن كوردستان اليوم، يتواصل الحلم ذاته:

أن يعيش الإنسان الكوردي حرّاً في وطنٍ عادل، لا تحكمه شريعة الغاب، بل قانون الإنسانية الذي أراده دياكو منذ أكثر من ألفين وسبعمئة عام.

قد يعجبك ايضا