إعداد – التآخي
يشير التطرف الفكري (Ideological Extremism) إلى تبني منظومة من الأفكار والمعتقدات المتشددة التي تبتعد عن القبول بالتنوع، والاعتدال، والمؤسسات المجتمعية والقانونية القائمة. وهو ينطوي على رفض قاطع لأي رأي مخالف، واعتبار الآخر المختلف عدوا يجب إقصاؤه أو قمعه.
أما التطرف الاجتماعي (Social Extremism)، فهو ترجمة هذه الأفكار إلى سلوكيات وممارسات على أرض الواقع تؤدي إلى العزلة، الإقصاء، التمييز، أو العنف ضد فئات معينة من المجتمع (كالأقليات الدينية، العرقية، أو الجماعات المخالفة ثقافيا).
تتعدد الأسباب التي تغذي ظاهرة التطرف وتتداخل لتشكل بيئة خصبة لانتشاره، من ذلك الأسباب الاجتماعية والاقتصادية، بصورة الإقصاء والتهميش فينتج الشعور العميق بالظلم واليأس نتيجة البطالة المرتفعة، تفاوت الفرص، وغياب العدالة في توزيع الثروات والمناصب.
ومن الأسباب، فشل الاندماج الثقافي بعدم قدرة بعض الفئات على الاندماج في المجتمع الأكبر، مما يدفعها للبحث عن هوية بديلة متطرفة توفر لها الشعور بالانتماء والقوة، وأيضا التفكك الأسري والاجتماعي، بفعل ضعف دور الأسرة والمؤسسات التعليمية في التنشئة على قيم الاعتدال والتسامح.
وهناك الأسباب السياسية والحكومية، وتتمثل في الاستبداد وغياب الحريات فينتج عنها قمع الرأي العام، وغياب المشاركة السياسية الفعالة، مما يدفع الأفراد إلى استعمال العنف كسبيل وحيد للتعبير عن الرفض والتغيير.
وتؤدي الصراعات الإقليمية والدولية الى استعمال القوى المتطرفة كأدوات في الصراعات، مما يمنحها شرعية مزيفة ودعما ماديا ولوجستيا.
وثمت الأسباب الأيديولوجية والنفسية بفعل الفراغ الفكري والأزمة الوجودية فيبحث الأفراد عن إجابات بسيطة وحاسمة للقضايا المعقدة، والتطرف يوفر لهم أيديولوجية “أبيض وأسود” تلغي التفكير النقدي.
وهنا تبرز الدعاية والتجنيد عبر الإنترنتباستغلال الفضاء السيبراني ومنصات التواصل لنشر خطاب الكراهية واستقطاب وتجنيد الشباب بكفاءة عالية وسرعة فائقة، فتتكون آثار خطيرة للتطرف على حياة السكان وتترتب على ذلك نتائج كارثية تمس كل جوانب حياة الأفراد والمجتمعات.
المجال الآثار والتداعيات والمواجهة
آثار التطرف برز في مجال الأمن والاستقرار بالتهديد الأمني المباشر فتزداد أعمال العنف، والإرهاب، والجرائم المنظمة، مما يقوض سلطة الدولة ونظامها العام، وتؤثر على النسيج الاجتماعي والثقافي بتفتيته وانتشار الكراهية، وتصنيف الأفراد على أسس عرقية أو مذهبية، وتدمير التسامح والقبول بالآخر، وانحسار الإبداع والابتكار خوفا من التكفير أو الإقصاء.
وفي الجانب الاقتصادي والتنموي تتمثل نتائج التطرف بهرب رؤوس الأموال، و تدهور البيئة الاستثمارية، وتراجع السياحة، وزيادة النفقات على الأمن على حساب التنمية والبنية التحتية، و تدمير الموارد بسبب الصراعات الداخلية.
وفي الجانب النفسي والتربوي تحدث صدمات نفسية جماعية بارتفاع مستويات القلق، والخوف، وفقدان الثقة في المستقبل، و تدهور العملية التعليمية بفرض مناهج متشددة أو تخريب المؤسسات التعليمية.
تتطلب مواجهة التطرف استراتيجية شاملة، متعددة الأبعاد، وطويلة الأمد، فالمعالجة الفكرية والثقافية تتضمن التثقيف والتوعية بتعزيز دور التعليم المعتدل في المناهج الدراسية، والتركيز على التفكير النقدي بدلا من التلقين.
وبخطاب ديني مستنير، بتفعيل دور المؤسسات الدينية المعتدلة في تفنيد الحجج المتطرفة وتقديم تفسيرات دينية منفتحة ومتسامحة.
اما في مجال الإنتاج الإعلامي البديل، فعلينادعم المحتوى الرقمي والإعلامي الذي يروج لقيم التسامح، المواطنة، وحقوق الإنسان.
والمعالجة الاجتماعية والوقائية تتحقق بتنفيذالعدالة الاجتماعية، اي اتخاذ إجراءات حقيقية لتقليص الفوارق الاقتصادية، وتوفير فرص متساوية للتعليم والعمل لجميع الفئات.
وتتضمن سبل المواجهة برامج التأهيل وإعادة الإدماج بإطلاق برامج متخصصة لإعادة دمج الأفراد العائدين من جماعات متطرفة، وتقديم الدعم النفسي والمهني لهم.
كما تتضمن إجراءات مواجهة التطرف إشراك الشباب في الحياة العامة، ومنحهم مساحات آمنة للتعبير والمشاركة السياسية والاجتماعيةوالترفيه.
وبصدد المعالجة الأمنية والقانونية، يتوجب تحديث التشريعات بوضع وتطبيق قوانين صارمة لمكافحة الإرهاب وجرائم الكراهية، مع ضمان عدم المساس بحقوق الإنسان الأساسيةوحرياته.
وتطوير آليات للكشف عن أنشطة التجنيد والتحريض على الإنترنت، وتفكيك الشبكات المتطرفة من دون المساس بالخصوصية، كما يجب تحقيق التعاون الدولي بتنسيق الجهود الأمنية والمعلوماتية عبر الحدود لمنع تمويل وتحركات الجماعات المتطرفة.
إن معالجة هذه الظاهرة تتطلب وعيا عميقا بأن التطرف ليس مجرد مشكلة أمنية، بل هو أزمة فكرية واجتماعية تتطلب علاجا يمتد إلى الجذور
نبذة عن تاريخ التطرف
تاريخ التطرف الفكري يعود إلى العصور القديمة، حيث ظهرت أشكاله السياسية والدينية في حضارات متنوعة مثل الفراعنة والإغريق والرومان، مع ظهور مجموعات تتبنى آراء متطرفة وتلجأ للعنف لتفرضها. أما في سياق الدين الإسلامي، فقد برزت ملامح التطرف مع ظهور جماعة الخوارج في القرن السابع الميلادي، الذين تميزوا بعقائد متطرفة سياسيا ودينيا. بشكل عام، يبقى التطرف ظاهرة إنسانية مستمرة عبر التاريخ وتتجسد في التعصب للرأي وإلغاء الآخر.
ومن مظاهر التطرف عبر التاريخ، في العصور القديمة، ما حدث في ظل “الفراعنة“، اذ شهدت مصر القديمة صراعات دموية مرتبطة بالتطرف الفكري بين أنصار الكهنة ومعارضيهم.
وعند الإغريق، واجهت أثينا حالات عنف ناتجة عن التطرف الفكري الذي خرج عن المسار الحواري للحضارة اليونانية، ولدى الرومان: عرفت روما الجريمة السياسية، وأشهرها اغتيال يوليوس قيصر بسبب الصراع مع الطبقة الأرستقراطية.
وفي السياق الإسلامي يعد البعض أن بدايات التطرف الديني في الإسلام ترجع إلى ظهور فرقة الخوارج في القرن السابع الميلادي، بعد معركة صفين. طوروا عقائد متطرفة سياسيا، تميزت بتكفير الآخر، مما ميزهم عن بقية المسلمين.
والتعصب للرأي، تاريخيا، ولد التطرف وارتبط بتعصب الفرد أو الجماعات لأفكارها، وإلغاء الآخر، والتعامل مع الاختلاف بعناد فكري أو سلوكي.
ويرى كثيرون أن التطرف ظاهرة بشرية طبيعية، مرتبطة بطبائع البشر وميولهم النفسية، وستبقى ما دامت هناك حياة بشرية.
وظهرت أشكال مختلفة من التطرف، منها السياسي (مثل الرغبة في فرض الرأي بالقوة أو التمرد على السلطة) والديني (مثل الغلو في النصوص وتكفير المخالفين).
و قد ينتقل التطرف من مجرد فكر وقناعة إلى سلوك مادي وعنيف مثل التفجيرات والقتل، وغالبا ما يكون ذلك نتيجة لتشبع الفرد بالفكر المتطرف.
يكمن الفرق الأساسي بين التطرف الفكري والتطرف الاجتماعي في أن التطرف الفكري يتعلق بالاعتقادات والمعتقدات والرؤى الفردية المتشددة، فيما التطرف الاجتماعي يركز على السلوكيات والمواقف الاجتماعية الرافضة والمتمردة على ما هو قائم في المجتمع. يشتمل التطرف الفكري على تبني أفكار متشددة في مجالات مختلفة كالدين والسياسة والثقافة، مما قد يؤدي إلى فرض هذه الأفكار على الآخرين. بينما يعبر التطرف الاجتماعي عن رفض عام للواقع الاجتماعي، ويتجلى في سلوكيات مثل التعصب والجمود الفكري والعنف، والتي قد تكون نتيجة للانحراف الفكري أو أسباب أخرى.
واقعات التطرف
وتمثل ذلك بالميل الشديد لتبني أفكار ومعتقدات سياسية أو دينية أو ثقافية تعد آراء الآخرين على أنها خاطئة ومفارقة، من أسباب ذلك الفهم المغلوط للنصوص الدينية والفكرية، البيئة الاجتماعية المتشددة، التأثير الإعلامي السلبي، الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
ويتمظهر ذلك في الرغبة بفرض الرأي على الآخرين، وتكفير المخالفين لهم، والميل إلى الأيديولوجيات المتطرفة،
وتهديد أمن المجتمع واستقراره، وتفكك النسيج الاجتماعي، وتعطيل عجلة التقدم بسبب الصراعات الفكرية.
والتطرف الاجتماعي يظهر في الاستجابة في الشخصية اذ تعبر عن رفض واستياء تجاه الواقع الاجتماعي القائم، مدفوعة بخصائص فردية مثل حب السيطرة وضعف الأنا؛ وقد يكون نتيجة للتطرف الفكري، أو تكون له أسبابه الخاصة التي ترتبط بالشخصية والسلوكيات.
من تجليات التطرف في الواقع، التعصب، التصلب، الجمود الفكري، النفور من الآخرين، وتبني سلوكيات متطرفة في إطار تفاعلاتهم الاجتماعية، فيتهدد الاستقرار الاجتماعي من خلال التعصب والتصلب الذي يتعارض مع مفاهيم التعايش الاجتماعي السلمي.
والتطرف الفكري قد يكون أحد الأسباب الرئيسة للتطرف الاجتماعي، حيث أن تبني أفكار متشددة يؤدي غالبا إلى تبني سلوكيات متطرفة في المجتمع.
في بعض الحالات، قد لا يتطور التطرف الفكري إلى تطرف اجتماعي عنيف. قد يبقى الفرد مجرد حاملا للأفكار المتطرفة من دون أن يمارسها بشكل عنيف في الواقع.
الفرق هو أن الأول يركز على الأفكار والمعتقدات، بينما الثاني يركز على السلوكيات الاجتماعية والرفض للواقع القائم.
وممارسات التطرف الاجتماعي هي تاريخ طويل يعود إلى الحضارات القديمة، ويمتد ليشمل أنماطا مختلفة من التطرف الديني والسياسي عبر العصور. ففي العصور القديمة، ظهرت جماعات مثل “السكارى الزيلوت” في القرن الأول الميلادي، بينما في العصور الوسطى، شهدت المجتمعات ظهور جماعات مثل “الحشاشين” في القرن الحادي عشر، حيث لجأوا إلى العنف لتحقيق أهدافهم. أما في العصر الحديث والمعاصر، فتنوعت أشكال التطرف لتشمل التطرف القومي والشمولي والأناركي، إضافة إلى التطرف الديني الذي ظهر في سياقات مختلفة عبر التاريخ، كما يشير التحالف الإسلامي والدولي لمحاربة الإرهاب.
وبعد اختفاء جماعة “السكارى الزيلوت” (Zealots) كنموذج للتطرف القديم، استخدم النبلاء الأوروبيون العصابات الإرهابية لزعزعة أمن خصومهم، بينما ظهرت جماعة “الحشاشين” في القرن الحادي عشر في إيران وسوريا، حيث استخدموا العنف والاغتيالات لتحقيق أهدافهم الدينية والسياسية.
وفي العصور الحديثة، ظهرت جماعات مثل “فينيا ان” والمنظمة السياسية الروسية نارودنايا فوليا “صوت الشعب”، التي استعملتالعنف السياسي.
والتطرف المعاصر، شهد تطورا في أنواعه وأساليبه، حيث ظهرت أشكال متعددة من التطرف الديني والسياسي التي تتناول قضايا اجتماعية واقتصادية مختلفة، مثل التهميش والتمييز والظلم.
وتمثل التطرف في الأديان المتنوعة، بالجماعات اليهودية والمسيحية والإسلامية والبوذية والهندوسية المتطرفة.
واشتمل التطرف السياسي، على التطرف القومي والشمولي والأناركي، كما ان بعض صور التطرف الاجتماعي مثلت سلوكا فرديا وجماعيا يعبر عن الرفض والاستياء تجاه ما هو قائم في المجتمع، ويتميز بخصائص مثل التعصب والجمود الفكري.
تسبّب التطرف عبر التاريخ في نتائج كارثية شملت تدمير المجتمعات وتفكيكها، وإلحاق خسائر فادحة في الأرواح، وتدمير البنى التحتية، وتشريد الشعوب، ونشر الخوف والكراهية، وتقويض السلام وحقوق الإنسان، وإعاقة التنمية المستدامة؛ كما أدّى إلى تشويه صورة الأديان والمعتقدات في نظر العالم، ومنع الحوار والتفاهم بين الثقافات.
النتائج الكارثية للتطرف وبروز الارهاب
من نتائج تفكك النسيج الاجتماعي انتشار الأحقاد والكراهية بين أفراد المجتمع الواحد، مما قد يؤدي إلى صراعات داخلية واقتتال أهلي.
ويتسبب التطرف العنيف في سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى من المدنيين، مما يؤدي إلى تفكك العائلات وخلق أجيال بأكملها تعيش في خوف دائم.
ويقوّض التطرف السلام والأمن، ويعرقل التنمية المستدامة، ويعوق جهود بناء مجتمعات قوية وقادرة على الصمود.
ويترك التطرف صورة مشوهة عن الأديان والمعتقدات، حيث يُربط من خلال أعمال العنف العشوائية بأنها ديانات أو عقائد تدعو للقتل والتدمير، وهو ما يؤدي إلى كراهية الآخرين؛ ويؤدي التطرف إلى تدمير الحوار البناء بين الأفراد والجماعات، وتقويض الفرص للتفاهم المشترك والتسامح واحترام الآخر.
ويخلق التطرف العنيف بيئة من الخوف الدائم والانقسام في داخل المجتمع، اذ تنعزل الفئات المتنوعة وتتزايد حدة العداوات بينها، ويشغل التطرف الأمم عن القضايا المصيرية، ويشتت جهودها، ويجعلها تركز على قضايا فرعية، وينسف جهود التنمية والتقدم.
وتمثل ظاهرة الإرهاب أهم الإشكاليات التي تواجه عالمنا المعاصر، وقد زاد من تأثير تلك الظاهرة السرعة والزخم الذي تتناول به وسائل الإعلام مثل هذه النوعية من الجرائم التي باتت تهدد الإنسانية جمعاء، وبرغم المآسي التي عانتها البشرية من جراء ويلات الحروب التقليدية، باتت الجرائم الإرهابية لها وقع مختلف على النفس الانسانية.
إن الغلو الديني والتطرف الفكري يمثلان أحد أكثر القضايا التي تؤرق المجتمعات الدولية، وتشكل تهديدا خطيرا لنمائها واستقرارها وتطورها، فقد ظل المصدر الأساس لتفكك المجتمعات وتمزيق النسيج الاجتماعي، والمنبع الرئيس للعنف والإرهاب وتكريس آليات التخلف عبر التاريخ. ونتيجة لهذا الغلو الديني والتطرف الفكري؛ ظهر ما يسمى بظاهرة الإرهاب الفكري الذي تمارسه الحركات الإرهابية التي تتشح برداء ديني متشدد، وتقترف أبشع الجرائم باسمه؛ اذشهدت في السنوات الأخيرة تحولات نوعية، وأصبحت أكثر موضوعات الساعة خطرا وأبعدها أثرا، فقد تحولت من خلايا صغيرة إلى مجموعات تملك أسلحة ثقيلة متطورة من دبابات ومدرعات وصواريخ مضادة للطائرات، وهو لم يكن متاحا للمنظمات الإرهابية التي برزت في الثلث الأخير من القرن العشرين.
ان التطرف هو الخروج عن القيم والمعايير والعادات الشائعة في المجتمع، وتبني قيم ومعايير مخالفة لها، ويعد اللجوء من قبل الجهة المتطرفة لفرض قيمها ومعاييرها وفرض رأيها بالقوة هو شكل من أشكال الإرهاب، وبمعنى أدق، فالتطرف الفكري والديني هو أحد المنابع التي تؤدي إلى الإرهاب لاسيما أن 95% من حالات الإرهاب التي اجتاحت العالم فيالسنوات الماضية كانت نتاجا للتطرف.
