بهاء زهير القيسي
لقد ارتبطت أسماء ومعاني مناطق إقليم كوردستان بشخصية الفرد هناك، حيث أثّر فيها وتأثّرت به، لذلك تجد أن أغلب المسميات تدور حول بيئته ونمط معيشته، وظروف حياته، سواء كانت هذه الظروف مناخية أو اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية أو غيرها من الماديات المحسوسة التي يتعامل معها ويستخدمها، والتي كان لها تأثير على مسار حياته اليومية. فمنها أسماء تصف مظهر شكل الطبيعة والتضاريس، أو يقوم بربطها بحدث تاريخي وقع فيها أو بالقرب منها. وغالبًا ما نجد أن المسميات الجغرافية لها مدلولها الوصفي، وترتبط ارتباطًا وثيقًا بالمسمّى والدلالة عليه بالمعنى. لذلك نرى تكرارًا وتشابهًا كثيرًا في المسميات الجغرافية عند الكورد وغيرهم من شعوب المناطق المجاورة.
ففي أربيل، وعلى سفوح جبال حلبجة، تستقر منطقة (بهركه)، والتي جاء اسمها من عين ماء فيها، وأصل الاسم هو بحر كه، ولأن كه أداة تصغير في اللغة الكوردية أصبح اسم المنطقة بهركه، والتي تعني (البحر الصغير). وعلى الطريق المؤدي إلى شقلاوة نطالع (كوري)، البلدة التاريخية ذات أقدم الجسور في العالم، والذي يعود تاريخه إلى عام 1215م. يتألف اسم هذه البلدة من مفردتين كورديتين، إحداهما كور بمعنى الشاق أو العسير، وري أي الدرب. ولكونها قديمًا لا يمكن اجتيازها إلا بمشقة وعسر، لكونها أرضًا جبلية صعبة المراس، سُمّيت بهذا الاسم.
وفي أربيل أيضًا، وإلى شمال شرقها، تقبع منطقة (جنديان) ما بين راوندوز وجومان، بشلالاتها وطبيعتها الجميلة واسمها العريق الموغل في القدم. حيث إن مفردة جنديان تتألف من كلمتين هما جوند وديان (أو گوندي وديان). تعني كلمة جوند أو گوندي في اللغة الكوردية وصفًا بالاحترام والاعتبار، فـ(الجوندي) هو المحترم، أما ديان فهي كلمة عربية بمعنى الديانة. وهكذا تجيء جنديان لتؤدي معنى (ديانة المحترمين)، بمعنى أنها موضع أناس يُحترم تدينهم، أو (بلد المتدين المحترم).
وفي محافظة السليمانية بإقليم كوردستان، هناك (دار شمانه) وهو اسم موقع داخل قلعة دزة في بلدة تابعة لقضاء بشدر قرب بحيرة دوكان. وهذا الموضع (دار شمانه) كان يُدعى في الأصل داره شنگانه لوفرة الأشجار المسماة شنگ فيه، ويعني الاسم (موضع شجر الشنگ) أو (دار الشنگ). وقد صارت داره شنگانه على مر الزمن في الألسن داره شمانه.
وفي السليمانية أيضًا تقع منطقة (قرگه) في ناحية عربت (بالكوردية: عەربەت)، وتُعرف أيضًا باسم ناحية تانجيرو أو مدينة (البوابات الثلاث) (بالكوردية: شاری سێ دەروازە). إن كلمة قورگهري في اللغة الكوردية تعني (مدخل الطريق)، وكانت هذه المنطقة إحدى البوابات الثلاث المؤدية إلى السليمانية. وقد تحرفت مفردة قورگهري وأصبحت قرگه.
وإلى جنوب شرق السليمانية، وتحديدًا في حلبجة، تربض منطقة طويلة بين قمم الجبال المحيطة بها. (طويلة) أو كما يلفظها الكورد بصيغة تويلة بالتاء وليس بالطاء. ويُعتقد أن اسمها منحدر من الجبين (التويل) في اللغة الكوردية، ولكونها تقع في جبين جبل هورمان. ويقال أيضًا إن اسم المنطقة جاء من المسافة الطويلة والصعبة التي تُقطع للوصول إليها.
ومن محافظة دهوك تقع مدينة زاخو جنوب غرب سهل السندي. وأصل التسمية (زاخو) من النصر والغلبة والظفر في اللغة الآرامية (زاخوثا). وللفعل زَخَ في العربية معنى لا يبتعد كثيرًا عن اسم المدينة، وقد كان اسمها قبل ذلك زاكوتا في العهد الآشوري، كما ذكر المؤرخ الإغريقي سترابون.
وفي زاخو، وغير بعيد عنها، يوجد موقع قديم يسمى درناخ، وكان موضعًا لدير نسطوري. والأصل في الاسم يُعتقد أنه يعود إلى موضع سفينة نوح في جبل جودي داغ المطل على زاخو، وأنه لما استقرت هناك نجا منها ثمانون شخصًا من الطوفان وأقاموا هناك مدينة سميت (مدينة الثمانين). وربما كان أصل ذلك أن هناك قرية تُسمى باللغة الكوردية هشتان، وهي بنفس المعنى.
وفي دهوك أيضًا، هناك سرسنك، وتقع على الطريق الرئيس الذي يربط مركز القضاء بمركز المحافظة بـ 41 كم، وترتفع عن سطح البحر بـ 1450 مترًا، حيث تقع المدينة أسفل جبل كاره. واسم سرسنك باللغة الكوردية يعني (رأس الجبل) أو (صدره).
وبعد هذا الاستعراض الموجز لمفردات أسماء المواقع، نجد أن الشعب الكوردي تميّز بقدرته على التكيف مع مكونات وظروف بيئته المحلية والاندماج معها، بل تجاوز ذلك ليمنح الأماكن والمواقع من حوله تسميات تبث فيها الروح والحياة. فهناك الكثير من أسماء المواقع التي لها علاقة بالإنسان والمخلوقات الأخرى في الطبيعة، حيث جاد فيها الخيال الخصب وصوّر المكان الجغرافي كأنه كائن حي يمنحه من الأسماء ما يتوافق مع شكله الأرضي.