” صناعة الخوف : كيف تحوّلت السياسة إلى بعبعٍ جماعي؟ “

محمد قفطان

لم تعد السياسة في أوطاننا شأنًا مدنيًا طبيعيًا كما يُفترض أن تكونة، بل تحوّلت إلى حالة خوفٍ جماعية يمارسها الناس على أنفسهم ، فما أن يُبدي أحدهم رغبة بالمشاركة أو محاولة للتفكير في التصويت ، حتى تنهال عليه الجوقة المثبِّطة :
“كلّهم فاسدون”، “لن يتغير شيء”، “البلد لا يُصلح”.
وبهذه البساطة تحوّل الإحباط إلى ثقافة ، والنفور إلى موقف ، والمشاركة إلى تهمة.

لقد صار السياسي في المخيال الشعبي متَّهماً قبل أن يبدأ، وصار الخوض في الشأن العام يُعدُّ نوعًا من السذاجة أو التورط في ما لا يُحمد عقباه ، وهكذا تمكّن الخوف من عقول الناس حتى باتت السياسة “بعبعًا” لا يقترب منه العاقل ، وكأنها لعنة وليست وسيلةً لتغيير الواقع.

لكن من صنع هذا الخوف؟
إنه الرأي الجمعي، حين يتحوّل من قوّةٍ للرقابة الإيجابية إلى سلطةٍ للتخويف والتثبيط ، فالفوبيا السياسية لم تنشأ من فساد الساسة وحدهم ، بل من تكرار خيبات الناس وتسليم عقولهم لجمهورٍ يصفّق لمن يصمت ويهاجم من يحاول ، إننا أمام حالة من “التعميم الكسول” إذ يُختصر المشهد السياسي كله في كلمة واحدة : “الفساد” ، دون جهدٍ للتمييز أو التحليل أو المساءلة.

والنتيجة : عزوف الكفاءات والنخب الواعية عن المشاركة ، وترك الساحة فارغة أمام المنتفعين والسطحيين الذين لا يملكون رؤية ولا فكرة ولا مشروعًا ، ذلك العزوف لم يكن مجرّد انسحاب ، بل أحدث فراغًا ثقافيًا وفكريًا داخل أروقة السياسة ، فراغًا أعاد تشكيل المشهد العام على مقاس من يجيدون التملّق لا التفكير ، والظهور لا الإنجاز.

إنّ الابتعاد عن السياسة ليس بطولة، كما يُروَّج، بل استسلامٌ ناعم، واعتزالٌ يُعيد إنتاج ذات الخراب الذي يشتكي منه الناس ، فمن يهرب من الشأن العام بحجّة “الكل فاسد” ، إنما يسلّم الوطن طوعًا إلى الفساد نفسه ، ومن يظن أن الصمت حكمة ، ينسى أن الصمت الطويل يصنع طغاة بملامح مألوفة.

السياسة ليست بعبعًا ، إلا إذا قررنا نحن أن نراها كذلك ، وما بين الخوف واللامبالاة ، يضيع جوهر الفعل المدني : العقل التحليلي الحرّ، القادر على التمييز والمساءلة والتأثير فمن لا يُراجع لا يُميّز ، ومن لا يُميّز يُقاد !
ومن يُقاد ، يُعيد إنتاج ذات الكارثة التي يحذر منها.

قد يعجبك ايضا