أحمد زبير باني
مدخل
في مقابلة خاصة مع تلفزيون AVA، تحدث الفريق عزيز ويسي باني، قائد قوات الزيرفاني في بيشمركة كوردستان، بلغة تتجاوز التصريحات العسكرية لتصل إلى عمق الفكرة القومية ووجدان الأمة الكوردية. لم يكن حديثه وصفاً للواقع فحسب، بل إعادة قراءة فلسفية لتاريخ طويل من المقاومة والتحدي، ولحضور جمعي تشكّل من نار المعارك وإيمان عميق بالكرامة والحرية.
الفصل الأول: الكلمة حين تتحول إلى فلسفة وجود
في حديث الفريق عزيز ويسي باني، تتجاوز الكلمات حدود التصريح العسكري لتغدو تأملاً فلسفياً في معنى الوجود الكوردي، واعترافاً بأن الأمم العظيمة لا تُبنى بالحدود، بل بذاكرة الألم والإرادة. فحين يستحضر ملاحم پردي وسحيلا، لا يروي مجرد مشهد من معركة، بل يفتح نافذة على وعي جمعي لشعب علم الجغرافيا أن البقاء ليس امتيازاً تُمنحه الخرائط، بل حقٌّ تُكتبه الدماء في صخور الجبال.
في كلماته تمتزج الواقعية السياسية بصفاء الفكرة القومية، كأن صوته يأتي من عمق التاريخ ليقول: إن كوردستان ليست كياناً يبحث عن اعتراف، بل حقيقة وجودية تبحث عن اكتمالها في الحرية؛ فحيث يُروى التراب بالدم، تتجلى أرقى صور الإنسان وهو يصوغ مصيره بإصرار خالد على الحياة.
الفصل الثاني: الخيانة بوصفها اختباراً للانتماء
من بين سطور الفريق عزيز ويسي تتسلل مرارة السادس عشر من أكتوبر، لحظة لم تكن مجرد خيانة عسكرية، بل امتحاناً لجوهر الانتماء. ففيها أدرك الكورد أن الطعنة الأشد ألماً ليست من العدو، بل من يد كانت بالأمس تشارك في خندق الدفاع ذاته.
كشفت هذه الخيانة أن الجغرافيا لا تضمن الولاء، وأن السياسة في الشرق الأوسط ليست سوى رقعة شطرنج تتناوب فوقها الإرادات الإقليمية على حساب كرامة الشعوب.
لكن من رحم الانكسار وُلد الوعي الجديد؛ إذ تحوّلت الخيانة إلى مرآة صافية تعكس حقيقة الصراع — صراع بين من يملك الأرض حباً وإيماناً، ومن يراها غنيمةً أو ورقة تفاوض. لم تهزم كوردستان، بل طهّرت ذاكرتها من أوهام التحالفات المؤقتة وخرجت أكثر نضجاً وإصراراً على أن الاعتماد على الذات هو الطريق الوحيد للبقاء. فالجبل، كما يقول المقاتلون الكورد، لا يخون.
الفصل الثالث: الملاحم التي أعادت تعريف البقاء
في حديث الفريق عزيز ويسي عن ملاحم پردي وسحيلا، يظهر المشهد بأبعاده الوجودية قبل العسكرية. هناك، على خطوط النار، وُلدت حكاية كوردستان الحديثة من جديد. لم تكن تلك المعارك مجرّد مواجهة بين جيشين، بل منازلة بين الفناء والبقاء، بين إرادة تحمي كرامة أمة، ومخططات أرادت اختزال الكورد في هامش التاريخ.
في تلك اللحظات المصيرية، برز الرئيس مسعود البارزاني كرمز القيادة الحكيمة التي تجمع بين الشجاعة والحنكة السياسية. فقد كان أكثر من قائد عسكري؛ كان حامياً للروح المعنوية للبيشمركة، ومرشداً استراتيجياً يحدد المسارات بحكمة، ويزرع الثقة في نفوس المقاتلين. رؤيته لم تكن مجرد خطة حرب، بل فلسفة قيادة تقوم على دمج الحزم مع الإيمان بالكرامة الوطنية، ما مكّن البيشمركة من مواجهة التحديات الكبرى بصمود لا يلين.
بفضل قيادته، تحولت پردي وسحيلا إلى رمزين خالدين في الذاكرة القومية، لأنها لم تؤسسا لحدود جديدة فحسب، بل رسخت ثقافة الصمود والتضحية تحت قيادة الرئيس مسعود البارزاني، التي ترى في الدفاع عن الوطن واجباً مقدساً، وفي الموت من أجله كرامة أبدية. كانت إشرافاته المباشرة وتوجيهاته المستمرة سبباً رئيسياً في تحقيق النصر العسكري والمعنوي في آن واحد، وجعلت من تلك المعارك صفحة مضيئة في التاريخ الكوردي تُقرأ كدرس خالد في القيادة والشجاعة الوطنية.
الفصل الرابع: من نصر السلاح إلى نصر الوعي
بعد انقضاء حرب داعش، لم تكن كوردستان تقف على أنقاض الخراب، بل على عتبة وعي جديد بالذات. وكما أشار الفريق عزيز ويسي، فإن ظن الكثيرين بأن النصر على الإرهاب سيقود إلى عراق اتحادي حقيقي يكرّم الكورد ويعترف بتضحياتهم، سرعان ما تبدد أمام موجة جديدة من الإقصاء والمؤامرات السياسية.
غير أن المفارقة العميقة في التجربة الكوردية أن الألم لا يولّد الانكسار، بل ينحت الإرادة. فإقليم كوردستان، الذي حاولت القوى الإقليمية وبعض الأطراف الداخلية محاصرته وإضعافه، وجد في التحدي فرصة لإعادة بناء شرعيته الدستورية على أسس أقوى من ذي قبل.
لقد أثبتت الأحداث أن الكيان الكوردي ليس ثمرة ظرف سياسي عابر، بل نتاج تاريخ من التضحيات والشرعية المستمدة من الوعي الجمعي للشعب. وهكذا، أصبح الدفاع عن الدستور دفاعاً عن الوجود نفسه، وصار الحفاظ على كوردستان موقفاً فلسفياً قبل أن يكون خياراً سياسياً — لأن من ذاق طعم الحرية، لا يعود قادراً على الحياة في الأسر، ولو كان الأسر باسم الوطن.
الفصل الخامس: البيشمركة… حراس الحرية وصنّاع الغد
في رؤيته لدور البيشمركة اليوم، لا يتحدث الفريق عزيز ويسي عن قوة عسكرية فحسب، بل عن فلسفة للأمن النابع من الإيمان بالحرية. فهؤلاء المقاتلون الذين حملوا السلاح دفاعاً عن الأرض، يحملون اليوم أصواتهم في صناديق الاقتراع دفاعاً عن المستقبل.
لقد تحوّلت البنادق التي واجهت الظلام إلى رمز لحراسة الديموقراطية، لأن كوردستان — كما يصفها ويسي — لم تُبنَ على الخوف بل على الإيمان بأن الحرية مسؤولية وليست امتيازاً.
إن استعداد قوات الزيرفاني لحماية الانتخابات ليس مجرد إجراء أمني، بل تعبير عن وعي جمعي بأن الكفاح لا ينتهي بانتهاء المعركة، بل يستمر في شكل آخر من النضال — نضال مدني وفكري لترسيخ كيان اتحادي عادل.
خاتمة: كوردستان كفكرة خالدة
في نهاية المطاف، تبدو كوردستان في حديث الفريق عزيز ويسي رمزاً للإنسان حين يرفض التلاشي، ودرساً فلسفياً في أن الكرامة يمكن أن تهزم الجغرافيا، وأن أمة آمنت بالحرية كقدر أبدي لا يمكن أن تُهزم، مهما تبدلت التحالفات والحدود.
كوردستان ليست مجرد أرض على الخريطة، بل وعي حي يكتب نفسه في كل فجر جديد، بلغة لا يجيدها إلا الأحرار. وهي تذكر العالم بأن المعركة من أجل الحرية والكرامة ليست مؤقتة، بل فلسفة حياة يُرثها كل جيل كوردي، صامد على عهده مع التاريخ والوجود.