تحدي “لن تتكرر أبداً”: التجربة الكوردية في صميم النقاش العالمي حول الإبادة الجماعية

حسو هورمي

في قارة لا تزال جراحها مفتوحة من ويلات الاستعمار والفصل العنصري، احتضنت مدينة جوهانسبرغ – جنوب أفريقيا المؤتمر السابع عشر للرابطة الدولية لعلماء الإبادة الجماعية (IAGS) بين 20 و25 أكتوبر 2025، تحت شعار لافت وصادم: “تحدي عبارة: لن يحدث ذلك أبداً مرة أخرى.”

وجاء اختيار مركز الهولوكوست والإبادة الجماعية في جوهانسبرغ كمقرٍّ للحدث ليمنح المؤتمر بعداً رمزياً قوياً، يذكّر بأن التاريخ لا يزال قادراً على التكرار عندما تُهمَل الذاكرة وتُضعف العدالة.

الحضور الكوردي: من التهميش إلى صدارة النقاش

بالنسبة للشعب الكوردي، لم يكن المؤتمر مناسبة أكاديمية فحسب، بل مساحة لاستعادة الصوت والاعتراف بمعاناةٍ طال تغييبها. من خلال مشاركة مركز الضغط لمناهضة الإبادة الجماعية الكوردية “KGLC ” Kurdish Genocide Lobby Center برئاسة أورينك شاويس، دخلت القضية الكوردية بقوة إلى صلب الحوار العالمي حول الإبادة الجماعية، لتتحول من ملفٍ محلي إلى قضية إنسانية عالمية تستحق الاعتراف والمساءلة.

شاويس أكدت في كلمتها أن الهدف من المشاركة “ليس التذكير بالمأساة فحسب، بل كسب دعم عالمي لفهم أعمق للجرائم التي ارتُكبت ضد الكورد لعقود، والعمل على منع تكرارها.” ورغم أنني كنتُ ضمن الوفد الكوردستاني المشارك بصفتي ممثلاً عن “المؤسسة الإيزيدية الدولية لمناهضة الإبادة الجماعية”، إلا أن ظروفاً طارئة حالت دون سفري إلى جنوب أفريقيا. ومع ذلك، كنت على تواصلٍ يومي ومستمر مع الوفد أثناء أعمال المؤتمر، وشاركتُ في تنسيق بعض النقاط البحثية والمداخلات عن بُعد، لضمان إيصال صوت المجتمع الإيزيدي وتجربته ضمن الإطار الأشمل للإبادة الكوردستانية.

من الفن إلى الفكر: حضور متعدد الأبعاد

. 1الذاكرة من خلال الفن: صور ولوحات تتحدث: الوفد الكوردي تجاوز الإطار التقليدي للمؤتمرات الأكاديمية، فاختار أن يوصل رسالته عبر أدوات بصرية مؤثرة:

شهادة رقمية على الجرائم

– عرض الدكتور محمد إحسان مجموعة من الصور التي التقطها أثناء استخراج الجثث من المقابر الجماعية في جنوب العراق، موثقاً جرائم نظام البعث ضد الكورد. الصور لم تكن مجرد وثائق، بل شهادات صامتة تضع الحاضرين أمام واقعٍ لا يمكن إنكاره.

لوحة جماعية للذاكرة والصمود:

– الفنان أشتي شيخاني قدّم مشروع لوحة توثّق تاريخ الإبادات ضد الشعب الكوردي، من حملات الأنفال وحلبجة إلى مأساة الإيزيديين. شارك بعض الحاضرين في استكمالها بأيديهم، لتتحول إلى عمل جماعي عالمي يجمع الألم الكردي مع التضامن الإنساني. وستُعرض اللوحة بشكل دائم في مركز الهولوكوست والإبادة الجماعية في جوهانسبرغ تخليداً لضحايا الكورد.

. 2الجبهة الأكاديمية: دراسات تكشف القصد والمنهج

إلى جانب العرض الفني، قدّم الوفد الكوردي مجموعة من الأبحاث الأكاديمية التي سلّطت الضوء على أبعاد الإبادة من منظور علمي وإنساني:
– (المرأة الكردية والإبادة الجماعية)، من إعداد أورينك شاويس، تناولت فيها الأدوار المزدوجة للنساء بين المعاناة والمقاومة، مؤكدةً أن قصص النساء الكرديات يجب أن تكون في قلب أي نقاش حول العدالة وضرب اروع الامثلة من خلال صمود وكفاح وجرأة المرأة الايزيدية في فضح داعش وجرائمه.
– (من مخطط إلى إبادة جماعية؟)، بحث قدّمه الدكتور محمد إحسان، شرح فيه التحوّل المنهجي لنظام البعث من سياسات تمييزية إلى تنفيذ منظم للإبادة عبر أجهزة الدولة.
– ورقة حول فشل المجتمع الدولي في منع الجرائم ضد الكورد، قدّمت تحليلاً نقدياً للهوة بين مبادئ القانون الدولي وواقع الإفلات من العقاب.

3العلم والعدالة: توثيق بالأدلة الجنائية

أبرز الوفد أيضاً أهمية العلم في توثيق الجرائم وبناء ملفات العدالة المستقبلية:
– الدكتور ياسين كريم أمين قدّم ورقة بعنوان “أهمية الحمض النووي في توثيق الإبادة”، بيّن فيها كيف يساهم التحليل الجيني في تحديد هوية الضحايا وجمع الأدلة القضائية.
– الدكتور عبد الرحمن كريم درويش عرض بحثاً بعنوان “مذابح الكورد على يد نظام البعث”، وثّق فيه الوقائع التاريخية بدقة، ضمن سردٍ شامل لتطور سياسات الإبادة في كوردستان العراق.

أثر المشاركة: من الذاكرة إلى الفعل

مشاركة مركز الضغط لمناهضة الإبادة الجماعية الكوردية لم تكن مجرد حضور رمزي، بل خطوة عملية باتجاه تغيير طريقة تناول العالم لقضية الإبادة الكوردية.
وقد أسفر الحضور النشط عن ثلاث نتائج أساسية:

1. اعتراف أكاديمي متزايد: إدراج القضية الكوردية ضمن دراسات الإبادة المقارنة يمنحها مكانتها المستحقة في البحوث المستقبلية.
2. دعم سياسي ومعنوي: العروض والأدلة المقدّمة تشكل أساساً للضغط من أجل تحقيق العدالة ومساءلة المسؤولين عن الجرائم.
3. توسيع دوائر التضامن: التفاعل مع وفود ضحايا آخرين من رواندا والبوسنة وميانمار خلق روابط جديدة قائمة على المشاركة في الذاكرة والمصير.

خاتمة: وعدٌ لم يتحقق بعد

تحت شعار “تحدي عبارة: لن يتكرر أبداً”، أعاد المؤتمر التذكير بأن هذه العبارة لا تزال بعيدة عن التحقق الكامل، خاصة في عيون الشعوب التي عاشت الإبادة أكثر من مرة.

بالنسبة للكورد، لم تكن المشاركة مجرد توثيق للماضي، بل دعوة للعالم كي ينظر إلى الإبادة الجماعية ليس كحدثٍ منتهٍ، بل كتحذير مستمر من تكرار الصمت.
الوفد الكوردي في جوهانسبرغ نجح في جعل الألم الكوردي جزءاً من الذاكرة العالمية المشتركة، مؤكداً أن “لن تتكرر أبداً” يجب أن تكون التزاماً إنسانياً حقيقياً، لا شعاراً يُرفع بعد فوات الأوان.

قد يعجبك ايضا