محمد علي محيي الدين
في قضاء المسيب من بابل، المدينة التي تكتنز في تربتها رائحة الطين الأول والحرف العراقي القديم، وُلد الناقد عدي عبيد حسن سنة 1975، وكأن ولادته كانت ومضة من تلك الشرارة التي لا تهدأ في جوف المثقف المجبول بالشغف رغم ضيق الحال. لم تفتح له الأقدار أبواب الدراسة كما ينبغي، لكنه فتح لنفسه أبواب الفكر، وامتطى صهوة الكلمة ناقدًا حرًا، لا تقيده قوالب المؤسسات ولا تجمده تقاليد القراءة الجاهزة.

لم يكن عدي العبادي من أولئك الذين ينتظرون الاعتراف بقدر ما كان منشغلًا بفعل القراءة والكتابة والتأويل. كتب في الصحف والمجلات العراقية والعربية، وأثار نقاشات نقدية جادة في أروقة المثقفين، بصوته الهادئ، وأسلوبه العميق، وقدرته على سبر المعاني وتفكيكها.
منذ انتسابه إلى اتحاد أدباء وكتاب بابل عام 2005، وحتى تأليفه لعدد من الكتب التي راكم فيها جهده النقدي، ظل العبادي وفيًّا لذائقته، محكِّمًا العقل في النص، مشاكسًا أحيانًا، لا يخشى الصدمة حين يقرر أن نزار قباني — على عظمته الجماهيرية — لا يبلغ ما بلغه أدونيس أو محمد الماغوط من فرادة شعرية. رأي لا يطرحه للتقويض، بل ليعيد ترتيب الذائقة وفق معيار فني خالص، لا تغلبه العاطفة ولا تمليه الشعبية.
بين الحداثة والتأويل.
يرى عدي العبادي أن الحداثة ليست مرحلة زمنية بل موقف من المعرفة، موقف يشبه النهر الذي ينحت مجراه بعيدًا عن الموروث. يقول: “أفضل تعريف للحداثة هو ما قاله فوكو: إنها قطعة معرفية تُنتَج خارج السائد”. بهذا التصور، يصبح الناقد عنده ليس تابعًا لمرحلة، بل خالقًا لأسئلة جديدة، وراسمًا لمسارات لم تُطرَق بعد.
وتأثر العبادي واضح بأعلام التأويلية كـأمبرتو إيكو، الذي اعتبره مرشده الفكري الأول في فهم النصوص، وبتجارب شعرية عالمية مثل رايلكه، بابلو نيرودا، ولانغستون هيوز، إذ يجد في مقاطعهم نبضًا يتجاوز اللغة نحو طبقات دفينة من المعنى. فهو لا يقرأ الشعر كزخرفة، بل ككائن حي يتكلم من داخل النصوص، وكأنّه يتعامل مع اللغة كما يتعامل العارف مع الرمز: بالتأمل، لا بالشرح فقط.
الكتب والندوات: صوتٌ لا يخبو
صدر له عدد من الكتب المهمة، منها: دراسات نقدية حداثوية (2015)، وشعرية فوزي الأتروشي (2016)، والخرافات والأساطير في ثقافات الشعوب (2022)، والتناغم الشعري (2024). هذه العناوين تمثل مروحة واسعة من اهتماماته، إذ يتحرك فيها بين التنظير والتطبيق، بين الأدب الشعبي والأساطير، في توليفة نادرة بين الحس النقدي والفضول المعرفي.
ولم يكن حضوره النقدي محليًا فقط، فقد استُضيف في اتحاد الأدباء والكتاب العرب في مصر عام 2019، وشارك في مهرجانات مهمة مثل المربد والجواهري وملتقى المثقف العراقي ومهرجان الشاعر الكردي، محاضرًا ومشاركًا ومتفاعلًا، كما نشرت مقالاته في صحف مرموقة مثل العربي، الأهرام، وروز اليوسف، ليؤكد أن صوته النقدي لا يعرف الجغرافيا.
ما قيل عنه… وتلك اللمعة
الناقد المصري خالد بيومي قال فيه ذات حوار: “عدي العبادي ناقد ينحاز للقيم الفنية والإنسانية، ولا يسمح للخطاب التعبوي أن ينتصر على متعة العمل الفني”، مشيرًا إلى أن العبادي، رغم قلة الضجيج حوله، يملك مشروعًا نقديًا حقيقيًا، يقوم على تفكيك المعاني وإعادة بناء الأسئلة.
وهو بالفعل كذلك؛ ناقد لا يُعنى بالضوء المسلّط بقدر ما يعنيه أن تكون قراءته ضوءًا للآخرين. يعيد ترتيب خارطة الذائقة، ويفتح نوافذ تطل منها الحداثة على تقاليدها، لا لتلغيها، بل لتختبرها من جديد.
وعدي العبادي ليس مجرد ناقد عراقي مكثر في إنتاجه، بل هو صوت له نبرة مميزة، لا تبحث عن النجومية بقدر ما تفتش عن الجمال في المعنى، وعن المعنى في الجمال. قارئ لا يكتفي بما هو مألوف، بل يشكك ويسائل، ويرى في كل نصٍّ أرضًا بكرًا تستحق الحفر والتنقيب.
في زمن تتراجع فيه القراءة لصالح العناوين، يبقى عدي العبادي من أولئك القلائل الذين يقرؤون بما يشبه الصلاة، ويكتبون كما لو أنهم يضعون المعنى على المشرحة ليخرج أكثر نقاءً، وأقرب إلى الإنسان.