هه لكورد صالح علي
لم يدوَّن من التراث الفلكلُوري الهائلٌ للشعب الكوردي إلا الشيء اليسير؛ حيث ركزت معظم البحوث والدراسات التي اهتمت بالفلكلور الكُوردي على جانب واحد هو الأدب والشعر، وأهملت دراسة جوانب أخرى مهمة من ذلك التراث وثمة عدد كبير من المستشرقين والرحالة ورجال الفكر الذين زاروا كُوردستان وقاموا بجمع تراثها إلا أن هذا التراث الضخم الذي يمتلكه الشعب الكُوردي لم يُدرس حتى الآن دراسة ميدانية وعلمية لأن الباحثين اعتمدوا على معلوماتهم الشخصية، وعلى الاستفسار من بعض كبار السن دون الاضطرار إلى الإقامة في ميدان البحث.
رغم ثرائه ورغم وصفه كمعينٍ لا ينضب؛ إلا أنه مُهدد بالنسيان، بسبب موت من كان لهم الفضل الكبير في حفظه في صدورهم وصيانته. ومن هنا، تتأتى ضرورة تدوينه ودراسته وبذل الجهود في جمع التراث والأدب الكُردي الشفاهي؛ لنأتي الى الأغاني الكوردية إرثٌّ أصيل بتاريخٍ عريق: تُعدّ الأغنية من أقدم أنواع الفنون ، وألوان التعبير الشعبيّ الكُوردي، بصفته سجلّاً حافلاً يشير بدقة بالغة إلى مواطن الوجع والألم والفرح الذي عايشه الإنسان الكوردي لقرون طويلة، ولا يزال، ويوثّق تفاصيل حياته في العمل والمناسبات الاجتماعية، كالرعي والغزْل والحصاد والأعياد والأعراس، كما يستوعب مظاهرها ووقائعها وحوادثها، فلا تمرُّ ظاهرة أو حادثة مهما كانت صغيرة أو كبيرة في حياة الكورد دون أن تترك لها الأغنية أثراً.
الأغنية وخصوصياتها في الفلكلور الكوردي لا جدال حول غِنى الأدب الشعبي الكُوردي، ويتمثل هذا الغِنى في تنوع أشكاله؛ فالأغاني الكُوردية الفلكلورية لا حصر لها؛ لأنها حاضرة في كل تفاصيل الحياة اليومية للشعب الكُوردي؛ حيث تعبِّر عن أمنياته وآماله؛ فهناك أغاني الحب، وأغاني الزواج، وأغاني الحرب؛ التي تثبت بطولة الرجل الكُوردي في معاركه مع أعدائه، وأغاني الأطفال، وأغاني الشباب، وأغاني الحصاد والفلاحة والرعي.
وطبيعة الأغنية الكُوردية سواء غزلية أو فُكاهية أو دينية، لا تغفل عن أن تتحدث عن طبيعة كُوردستان وجمالها، ولقد كان ازدهار الغناء مرتبطًا بالإمارات الكُوردية، إذ كلما كثرت الإمارات كثُر المغنون، والعكس بالعكس، والسبب هو أن المغنين كانوا يكسبون رزقهم من الغناء أمام الأمراء.
وهنا يؤكد الكثير من المستشرقين والباحثين على أنّ الكورد هم من الشعوب الشغوفة بالموسيقى والألحان والغناء، حيث تتنوّع بشكل هائل الألوان والأشكال الغنائية في تراثه الشعبيّ، حتى وصفت بالنهر الذي تصبّ فيه جداول الحياة كلّها، وتكثر الأسماء التي تشتهر في هذا المجال.
نأتي بفكرة التدوين لكي تنتشر في أنحاء كُوردستان والعالم وتتأصل في النفوس ، ويستفيد منها الشعب الكُوردي بانعكاس شخصيته من خلال موروثه الثقافي وكل ما يتعلق بمسيرة هذا الشعب عبر التاريخ وتروي موضوعًا بذاته، تستخدم فيه جماليات التعبير والوصف والكلمة السلسة والمفهومة والجذابة، يفهمها كل أفراد المجتمع، وتحمل لحنًا شجيًا وجذابًا حيث تجسد الملحمة الفلكلورية:
من جهة أخرى، تشكِّل جزءً من الأدب الشعبي والملحمة هي الحادثة أو الواقعة العظيمة التي قلما تتكرر، وتخلد لأهميتها وقيمتها في أغانٍ وأناشيد تصور حجم الواقعة. وتتميز الملحمة بوجود الحوار والوصف فيها؛ بحيث يُعطيان للملحمة مظهر (القصة) التي يكون الإنسان المحور الرئيس فيها.
وتنقسم الملاحم الكُوردية تقريبًا إلى ملاحم البطولة، وملاحم الحب. في ملاحم العشق تظهر الفوارق الاجتماعية والدينية، وعدم رضا الأهل؛ كعوائق تحول دون اكتمال قصص الحُب و أن الاغنية و الفلكلور والتراث الشعبي أهمية كبيرة في حياة الشعوب كافة، فهو الهوية الوطنية لها، ويمثل تجارب الأجداد وخبراتهم وينقلها إلى الأجيال اللاحقة، فالمرء عندما يريد أن يعرف شعبًا سيلجأ تلقائيًا إلى البحث عن ثقافته وتراثه؛ لأنهما تقدمان طبيعة هذا الشعب وفلسفته ومعتقداته وتقاليده؛ فيستطيع بذلك أن يعرف تاريخهم ما بين الماضي والحاضر وربطه بالمستقبل، الذي تعود جذوره إلى خبرات متراكمة للشّعوب، بأنّه مجموعة الآثار (الفكرية والمادِّيّة) التي تشير إلى ما خلّفه الأجداد من موروثات متعلِّقة بالمنتج الفكري والثقافي والفنيّ، وهو بذلك يشتمل على المعارف والمعتقدات والعادات، والأساطير والخُرافات والحكايات، والأمثال والأغاني والنداءات الشّعبية المتداولة.
ويشتمل كذلك على أنواع الفنون الشّعبية والحِرف والرقـص واللعب الشّعبية، وغيرها من الموروثات الشّعبية؛ فثقافة وتراث الشعوب ليست بأمرٍ هينٍ يُستباح التعدي عليه، ولكن هناك من يعرفه حق المعرفة ويحاول استغلاله ويسعى إلى محوه؛ فالشعب الذي ليس له ماضٍ لا يملك الحاضر ولن يستطيع أن يستمر، وللكورد تاريخ عريق وماضٍ حافل بالأحداث والخبرات، لذلك البلد؛ كونه يمثِّل فكره وهُويّته وجذوره راسخة في القِدم، ووثيقة الصلة ببقاء الشعب وديمومته.