إبراهيم اليوسف
نشر الأديب والشاعر والمترجم الكوردي شاهين سويركلي على صفحته نداءً موجعاً، لا يشبه إلا أصوات أولئك الذين يكتبون من عمق التجربة والوجع معاً. قال فيه ((إنّ ما تبقّى من أرشيفه مهدّد بالضياع، وإنّ مئات التسجيلات والرسائل والكتب التي جمعها على مدى عمرٍ كامل لم تعد تجد مكاناً في بيته، ولا من يتسلّمها بعده)). كتب بوضوحٍ قاطع: ((أنقذوا ما تبقّى من أرشيفي قبل أن يُدفن معي))!
لم يكن يطلب نجدةً شخصية، بل يرفع إنذاراً في وجه صمتٍ طويلٍ أحاط بالذاكرة الكوردية، إذ تموت الذاكرة في الغربة حين لا أحد يمدّ يده إليها.
أطلق نداءه من منفاه الأسترالي، بعد حياةٍ امتدت من كوباني حتى أطراف سيدني. كتب وهو يشعر أنّ الأرشيف الذي وثّق تاريخ الثقافة الكوردية في المنافي يتبدّد، وأنّ الرسائل التي احتفظ بها عقوداً تضيع الواحدة تلو الأخرى، وأنّ غياب المؤسسات الثقافية الكوردية القادرة على الحفظ جعل المثقف المنفي وحيداً في مواجهة الزمن. في نبرته خيبة، لا من القدر، بل من الهجر الثقافي الذي يصيب الأمم الصغيرة حين لا تمتلك أرشيفها.
تحدث في منشوره عن كتبه التي رافقته طوال حياته، وعن الجهد الذي بذله في بناء مكتبةٍ ظلّت شاهداً على حيوية الثقافة الكوردية في المنفى. لم يكن يطلب تكريماً، بل حماية لما أنجزه كي لا يُدفن معه.
قبل سنواتٍ قليلة، التقيتُه في دوسلدورف في ندوةٍ خُصّصت للحديث عن تجربته وحياته ونتاجه الأدبي. جاء متعباً كمن يحمل عمره على كتفيه، لكنه كان حاضر الذهن، واضح العبارة، صادق النظرة، قوي الإيمان بأنّ اللغة الكوردية ستبقى ما بقيت الإرادة. قرأ نصوصاً متفرّقة من قصصٍ وشعرٍ من بعض أعماله، ثم أجاب عن أسئلة الحضور التي تناولت محطاتٍ في تجربته الممتدة بين التعليم والإذاعة والعمل الثقافي. تحدّث بهدوءٍ عن غربته الطويلة، وعن علاقته بالكتابة، وعن الشعور الذي يرافق الكاتب حين تتحوّل الغربة إلى وطنٍ مؤقت.

في بعض كتبه تناول التراث الكوردي من خلال مجتمع كوباني وقريته مزرة، فرسم صورة الحياة الريفية كما عاشها في طفولته؛ بعفويتها ولهجتها وتناقضاتها. لم يكن يوظّف التراث كزينة لغوية، بل كحقيقةٍ يومية عاش بعضها في سنوات عمر التسع عشرة الأولى قبل أن يهاجر، وعرفها، وتكرست في ذاكرته. كان يعتبر أنّ حفظ التفاصيل الصغيرة هو ما يبقي اللغة حيّة.
في مقابلةٍ أجراها معه الصديق المترجم والكاتب عمر رسول، قال بوضوحٍ مؤلم “أبي ملاك، يملك أراضي في قريتين من كوباني، لكن مردود أملاكه لا يساوي مردود عامل في أوروبا. نمتُ جائعاً أحياناً”
لم تكن الجملة استعراضاً للفقر، بل كشفاً لتجربةٍ عاشها كثيرون من أبناء جيله الذين وجدوا أنفسهم بين غنى الأرض وفقر الإنسان. بين وطنٍ واسعٍ لا يطعمهم، ومنفى ضيّقٍ يمنحهم لقمةً مشروطة بالصمت. إنها خلاصة رحلة الكوردي الذي دفعته السياسات العنصرية الدكتاتورية منذ الستينات إلى مغادرة أرضه، بحثاً عن كرامةٍ لا تتسع لها الخرائط الرسمية.
سافر شاهين سويركلي من كوباني إلى حلب، وحدد إسبانيا وجهة للدراسة، بيد أنه استقر إلى حين في النمسا، ثم ألمانيا، عبر سيرة مشوقة سردياً، قبل أن ينتهي به المطاف في أستراليا. رحلة طويلة من التعب والمكابدة بين التدريس والعمل الإذاعي والعمل في الجمعيات الكوردية والتأليف. كان اسمه في عداد المطلوبين السياسيين في سوريا، كما أنه تعرّض للتهديد في أستراليا من قبل تركيا، لكنه لم ينكسر. بقي وفيّاً للكلمة، متشبثاً بلغته كمن يتشبث بآخر حبلٍ في الهاوية.
كتب بأكثر من لغة: الكوردية والعربية والألمانية والإنكليزية، وكان يلمّ بالفارسية. لم يكن هذا التعدد اللغوي استعراضاً ثقافياً، بل نتيجة لحياةٍ عابرةٍ للحدود ولغاتٍ متشابكةٍ في وعيه. في كلّ لغةٍ كتبها ظلّت الكوردية حاضرة، كصوتٍ خافتٍ في الخلفية، لا يغيب ولا يتراجع.
ومن كتبه التي توزعت بين الشعر والقصة والرواية والمقال والترجمة: “رسالة إلى أبي” (رواية)، “العودة”، “قصص الثمانية عشر عاماً”، “القطط تحلم أيضاً”، “شرف إيما”، “محاكمة صلاح الدين”، “آلام سبعة أعوام”، و**”ملمحة درويشي عبدي”**. وغيرها. فيها تتقاطع السيرة الشخصية بالتاريخ الجمعي، ويتحوّل النص إلى شهادة على الاغتراب والحنين والكرامة. يكتب كمن يوثّق الحياة من الداخل، من عمق الفقد، ومن ذاكرة اللغة التي قاومت الصمت.
في تلك الندوة في دوسلدورف قرأ بصوتٍ هادئٍ بعض نصوصه، ثم أجاب عن الأسئلة حول تجربته ومسيرته الطويلة. لم يتحدّث كثيراً عن نفسه، بل عن معنى الكتابة في مواجهة الغياب. قال إنّ الغربة لا تنتهي، وإنّ الكتابة هي الشكل الأخير من البقاء. وحين تحدّث عن المنفى قال: “لم يكن المنفى اختياري، بل محاولة لتجنّب الموت.”
لم يكن شاهين سويركلي يكتب ليتجمّل أو ليحكي عن ذاته، بل ليقول إنّ الكتابة الكوردية نجت لأنها كُتبت في المنفى، ولأنّ أصحابها عاشوا ما كتبوه فعلاً. كان يعرف أنّ كلّ كتابٍ يُهمل، وكلّ رسالةٍ تُحرق، وكلّ صوتٍ يُسكت، هو موتٌ جديدٌ بلا جنازة.
اليوم، بعد أن أطلق نداءه الأخير من أستراليا، يبدو وكأنه كان يودّعنا من بعيد. لم يكتب تلك الكلمات صدفة، بل كمن يسلّم إرثه الأخير لأمّته. لقد أنهكه العمر والتعب والمنافي، حتى صارت الكتب أثقل من الجسد، وصار الورق امتداداً للحياة نفسها.
إنّ إنقاذ أرشيفه واجب لا يخصّ الأفراد، بل يخصّ الوعي الكوردي بكامله. ما جمعه خلال نصف قرنٍ من وثائق وصورٍ ومراسلات لا يقدّر بثمن. كلّ ورقةٍ من أوراقه جزء من تاريخٍ لم يُكتب بعد. إنّ ما أنجزه لا ينتمي إليه وحده، بل إلى الذاكرة الكوردية التي عاش من أجلها ومات غريباً عنها.
حين نحزن على شاهين سويركلي، نحزن علينا جميعاً. نحزن لأننا نرى في رحلته الطويلة صورة أنفسنا، ولأنّ الغربة التي كانت قدره صارت قدَرنا جميعاً. نحزن لأنّ الكلمة التي كتبها من أقصى الأرض ما زالت تبحث عن مكانٍ آمنٍ في بيوتنا.