شــــريف علي
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتبدل المواقف الدولية، تتزايد احتمالية قيام تركيا بعمل عسكري ضد مناطق غرب كوردستان فأنقرة التي ترى في المشروع السياسي الكوردي في غرب كوردستان تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، ومع تعثر مسار الحوار بين قسد ودمشق، وغياب أي تقدم ملموس نحو اندماج قوات قسد في الجيش السوري، بدأت بتكثيف تحذيراتها، وصولًا إلى ما وصفته بـ”الإنذار الأخير”، وهو ما يوحي بأن الخيار العسكري بات مطروحًا بجدية.
التحولات في المواقف الدولية تلعب دورًا حاسمًا في هذا السياق. فالإدارة الأميركية الحالية بقيادة دونالد ترمب تبدو أقل انخراطًا في الملف السوري، ما يمنح تركيا هامشًا أوسع للتحرك. في المقابل، تسعى روسيا إلى الحفاظ على التوازن بين دعم دمشق واحتواء الطموحات التركية، لكنها لم تعارض علنًا أي عملية تركية محدودة طالما أنها لا تهدد مصالحها الاستراتيجية. أما الدول العربية، فبعضها يعارض المشروع الكوردي، ويرى فيه تهديدًا لوحدة سوريا، ما قد يفتح الباب لتفاهمات إقليمية غير معلنة ضد الكورد.
ومن زاوية أخرى، فإن إسرائيل تتابع بقلق تصاعد النفوذ التركي على حدودها الشمالية الشرقية، خاصة في ظل احتمال تدخل عسكري واسع النطاق في مناطق الكورد. فالتوسع التركي لا يُنظر إليه فقط كتحرك ضد قسد، بل كإعادة تموضع إقليمي قد يُفضي إلى تشكيل محور جديد بقيادة أنقرة، يضم فصائل إسلامية أو أطرافًا معارضة، ما يثير مخاوف إسرائيل من تغير قواعد الاشتباك في الجبهة السورية.
ورغم أن إسرائيل لا تعارض ضمنيًا المشروع الكوردي، إلا أنها تفضل بقاء الكورد في موقع غير مهدد للتوازنات، دون أن يتحولوا إلى حلفاء ميدانيين لأنقرة أو طهران. وفي هذا السياق، فإن أي تفاهمات تركية-روسية أو تركية-عربية قد تُقرأ في تل أبيب كتحولات غير مريحة، تستدعي إعادة تقييم للتموضع الإسرائيلي في الملف السوري، خاصة في ظل غياب دور أميركي حاسم.
سيناريو التدخل التركي المحتمل يتراوح بين عملية محدودة تستهدف مناطق معينة قرب الحدود، وبين عملية أوسع تهدف إلى تقويض البنية العسكرية والإدارية لقسد. في حال تنفيذ السيناريو الأول، قد تقتصر التداعيات على إعادة رسم خطوط التماس، مع ضغوط على قسد لإعادة النظر في تحالفاتها والإنخراط في المشروع التركي للمنطقة. أما السيناريو الثاني، فسيحمل انعكاسات أعمق، منها احتمال انهيار الإدارة الذاتية، وتزايد النزوح الداخلي، وعودة نظام دمشق إلى مناطق كانت خارج سيطرته. في كلا الحالتين، سيواجه الكورد تحديًا وجوديًا، يتمثل في إعادة تعريف دورهم السياسي والعسكري ضمن خارطة سوريا الجديدة، وسط غياب ضمانات دولية حقيقية لحمايتهم.
الانعكاسات على الوضع الكوردي ستكون بالغة، ليس فقط على مستوى الجغرافيا، بل أيضًا على مستوى الهوية السياسية. فالتدخل التركي قد يدفع قسد إلى تسريع التفاهم مع دمشق، ولو بشروط مجحفة، أو إلى إعادة التموضع ضمن تحالفات جديدة، ربما تشمل أطرافًا عربية أو غير عربية أو حتى فصائل معارضة سورية. كما أن أي تراجع ميداني سيضعف من قدرة الكورد على فرض شروطهم في أي تسوية سياسية مستقبلية، ويعيدهم إلى موقع الطرف المفاوض لا الطرف الفارض.
في المحصلة، فإن أي عمل عسكري تركي لن يكون مجرد تحرك ميداني، بل إعادة تشكيل للمعادلة الكوردية في سوريا، وتحدٍ جديد للمشروع السياسي الكوردي الذي بات يواجه اليوم اختبار البقاء في ظل إعادة ترتيب الأوراق الإقليمية.