محمد علي محيي الدين
في قرية الحامية الواقعة على ضفاف نهر الفرات، وفي الأول من أيار عام 1976، وُلد القاص كاظم حامد فرحان سعود الجنابي، لينشأ في حضن بيئة ريفية نابضة بالسكون والأحلام المؤجلة، حيث تتداخل بساطة العيش مع حكايات الجدّات، وتتواشج التقاليد مع الأساطير الصغيرة التي تصنع وجدان الطفل. هناك، في تلك البقعة الخصبة، بدأت تتشكل في وجدانه نواة الحكاية، وملامح الراوي الذي لا يكتفي بالمراقبة، بل يغزل من تفاصيل الحياة سردًا نابضًا بالحياة.
أكمل كاظم دراسته الابتدائية والمتوسطة في قريته الحامية، ثم انتقل إلى قضاء المسيب لينهي دراسته الإعدادية عام 1994. وبعدها، التحق بكلية الهندسة في جامعة بابل – قسم الميكانيك، حيث تخرج عام 1998، مستبدلًا مسطرة الرسم الهندسي بأقلام تكتب المشهد والبنية، وتحتفي بالهامش أكثر من احتفائها بالمركز. عمل لاحقًا في شركة الصناعات الحربية، بوظيفة رئيس مهندسين، لكنه ظل وفيًّا للقصة، يمارسها لا كمهنة، بل كقدر.
يُعد كاظم حامد من الأصوات القصصية التي ارتبطت ببيئتها، وانشغلت بتفاصيل الإنسان البسيط، لا تفتنها بهرجة المدن، بل تنصت جيدًا لوشوشة الحقول، وأصوات الأطفال، ولألم الريف المتواري في ظلال الشجر ونشيج الأمهات.
انطلقت تجربته الأدبية مطبوعةً عام 2003 عبر مجموعته القصصية الأولى “قبل المطر”، وهي عنوان يبدو أشبه بنبوءة، حيث تقف الحكاية على أعتاب الانفجار، والمطر هنا ليس ماءً بقدر ما هو انهمار شعوري وتحوّل درامي. وقد استقبل النقاد هذه المجموعة باعتبارها بداية واعدة لقاص يمتلك عينًا بارعة في التقاط اللحظة الهاربة من أعماق الحياة اليومية، وصوتًا سرديًا يميل إلى التكثيف والاقتصاد اللغوي، متكئًا على بيئة ريفية تشكل المخزون الثقافي العميق لنصوصه.

توالت بعد ذلك منجزاته الأدبية، وإن بقيت أكثرها في طور المخطوط، لكنها تكشف عن اتساع تجربته وتنوع اهتماماته، حيث كتب للكبار والصغار على حد سواء. من مجموعاته القصصية غير المنشورة:
“الشجرة الهرمة”: وهي المجموعة التي نالت المرتبة الثانية في مسابقة أفضل قصة قصيرة في بابل عام 2008، وتُعد من أنضج تجاربه القصصية، إذ تعكس قدرة القاص على إضفاء الحيوية على الكائنات الصامتة وتحميلها أبعادًا رمزية.
“البريء”: التي تستحضر الطفل في مواجهة قسوة العالم.
“الثعلب الفضي” و”النحلة والدب”: مجموعتان موجهتان للأطفال، تكشفان عن رهافة القاص وقدرته على تبسيط المعنى دون التفريط في العمق.
نشر كاظم حامد العديد من قصصه القصيرة ومقالاته الأدبية في الصحف والمجلات العراقية مثل الجمهورية، القادسية، البيان، عشتار، عروس الفرات، إضافة إلى المواقع الأدبية الإلكترونية، ليؤكد حضوره كصوت سردي حميم، لم يتخلّ عن جذوره، ولم يبحث عن بريق زائف في مدن الثقافة المركزية.
انتماؤه الأدبي لم يتوقف عند فعل الكتابة فحسب، بل كان عضوًا فاعلًا في أكثر من فضاء ثقافي: عضو اتحاد الأدباء والكتاب في بابل منذ عام 2012. عضو المنتدى الأدبي في المسيب، وهو منابر ظلّ يرفدها بقصصه ومداخلاته. كما حافظ على ارتباطه المهني بعضوية نقابة المهندسين في بابل، في تجسيد حي لتوازن الممكن بين الوجدان والوظيفة.
في قصصه، لا تَعلو الأنا الساردة على الحكاية، بل تذوب فيها. تتكئ نصوصه على حسّ إنساني عالٍ، وعلى واقعية شفيفة، تتجنب المباشرة، وتعتمد على المفارقة والنهايات المفتوحة، حيث تظل القصة تمور في ذهن القارئ بعد انتهائها.
ولئن لم يُسلّط عليه الضوء بما يكفي، فإن مشروع كاظم حامد القصصي جدير بالقراءة والتأمل، لأنه يحفر في تربة العراق اليومية، ويحاول، بهدوء، أن يلتقط أنفاس الناس وحكاياتهم الصغيرة التي لا تصل إلى الشاشات، لكنها تبقى أكثر صدقًا.
إنه أحد أولئك الكتّاب الذين يؤمنون أن القصة ليست عرضًا مسرحيًا صاخبًا، بل شرفة تطل منها اللغة على العالم، وتكتب بهدوء من يسمع النبض لا الصراخ.