د. سحر سعيد صالح
والقول بأن الحضارة هي حكر على أمة معينة أو قبيلة أو جنس أو عرق، هو قول لبعض فلاسفة اليهود المعاصرين وفي مقدمتهم “غوستاف لوبون” الفيلسوف اليهودي الفرنسي المولود في القرن التاسع عشر والمتوفى نهاية الثلث الأول من القرن العشرين، وقد لاقى قوله الآنف تسفيها من أقرانه.
كما أن غاية الحضارة خدمة أو تقديم المصلحة للإنسان بدءًا من الحفاظ على الإنسان معنويا وماديا وصولا إلى تحقيق الرفاهية للإنسان فردا ومجموعا. وبخلاف ذلك أي حضارة تهدم كرامة الإنسان وحريته وقيمه وهويته وعرضه، هي أقرب إلى حظيرة تهبط بالإنسان إلى درك الحيوانية، ذلك أن الإنسان هو محور الحضارة إبداعا وإنتاجا ومصلحة.
موضوع تطور الأمم وفلسفة الحضارة واسع إلى حد كبير، وحرصا منا على إيصال أهم المعلومات إلى القارئ فقد حاولت جاهدا لملمة وتقديم أبرز وأهم مكونات الموضوع، وقد قسمت الموضوع إلى حلقتين، الحلقة الأولى: فلسفة ميلاد الحضارة، والحلقة الثانية: فلسفة استعادة الحضارة.
فلسفة ميلاد الحضارة: الوحي هو المصدر الأول للحضارات كلها، وإليك بعض النصوص الدالة.
قال تعالى: “وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة”.
قال تعالى: “هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها”.
وقال تعالى: “وهو الذي جعلكم خلائف الأرض”.
قال تعالى: “وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه”.
الدليل الخاص، قال تعالى: “وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين • قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم”.
تعليم آدم الأسماء فيه دلالة أولية أن الإنسان خلق لعمارة الأرض.. والعمارة تعني الحضارة.
قال تعالى عن شيخ الأنبياء نوح عليه السلام: “ويصنع الفلك بأعيننا”.. أي بوحي – تعليم مباشر – افعل كذا.
داود عليه السلام: وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم”.. بأس الحرب.
وألَنا له الحديد • أن اعمل سابغات وقدر في السرد”.. – السرد يعني: إتقان حبك وتداخل حلقات الدروع – الزُّرْد الحديدي.
سليمان عليه السلام: وأسلنا له عين القِطر”.. أي النحاس، وهذه العين المسالة بالنحاس لا شك أنها فتح بل انفجار حضاري عظيم.
ذو القرنين، قال تعالى: إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا”.. دلالة التمكين واضحة في الجانبين المعنوي والمادي – في القرار القيادي والسياسي والوسائل، فتمكن من الانتقال تجاه مغرب الشمس، ومطلعها ثم إلى أرض ما بين السدين.
المؤرخ الإنجليزي الأمريكي المعاصر، توينبي، يقرر أن “الوحي” هو مصدر أصول الحضارات، وأكثر من ذلك يقرر دور الدين في بناء الحضارات.
وهنا نستكمل الاستكبار الحضاري المادي تكلس العقل الكنسي الأوروبي بمذاهبه الثلاثة: كاثوليك، أرثوذكس، بروتستانت. وتحولت الكنيسة إلى أكبر خصم للعلم والعقل البحثي العلمي المنهجي فحاكمت الكنيسة العلماء وقتلتهم حرقا بالنار حتى لا تتلوث الأرض بدمائهم فهم هراطقة لأنهم أخذوا العلم عن المسلمين في الأندلس والشرق عموما، والتاريخ الأوروبي صارخ بالمحاكمات والقتل والسجن والتنكيل، وهروب العلماء إلى خارج أوطانهم وإلى الكهوف والريف.
باختصار شديد، بشهادة علماء أوروبيين أن الحضارة الأوروبية الحديثة أخذت البحث العلمي عن الحضارة الإسلامية، فانطلق العلماء إلى معامل التجربة العلمية وفي مقدمتهم العالم فرنسيس بيكون، والذي مات شريدا بين الثلج بين فرنسا وإنجلترا.
الجدير ذكره أن الحضارة الأوروبية تنكرت للإسلام ولحضارة الإسلام، والهدف هو الحرب على العقل المسلم المعاصر بأن الإسلام ليس فيه حضارة.
وقد نجح الاستشراق الحاقد في تسميم عقول طلاب البعثات من الشرق المسلم كونهم لا يمتلكون ألف باء الثقافة فعادوا إلى أوطانهم يحملون عقدة نقص قاتلة، فاتجهوا لتسفيه مقدسات الإسلام ولم يقدموا البديل، الأمر الذي يعني أنهم لم يتعلموا شيئا حتى يتأسوا بأسيادهم علماء الغرب.
الحضارة.. المولدات والميلاد: الفيلسوف الجزائري المسلم مالك بن نبي رحمه الله، حدد مولدات إنتاج الحضارة في ثلاثة مفاهيم كبرى، هي: الإنسان، والتراب، والوقت. حدد مالك بن نبي مفهوما رابعا لإنتاج الحضارة وهو الثقافة، كونها الخيط الناظم للإنسان والوقت والتراب.
الثقافة هنا بمفهومها الشامل عقيدة وقيما كونية وخلقية ومعرفية وسننية. وهذه هي نظرية الفيلسوف مالك بن نبي رحمه الله. نظرية مالك بن نبي الآنفة الذكر نجدها قد جعلت مصدرها الأول هو الوحي، ومحورها هو الإنسان الذي استخلفه الله وليس إنسان الحضارة المادية المتمردة والتي دمرت الإنسان والبيئة ورفضت أخلاقيات العلم لاهثة وراء الكسب المادي لا غير.
فيلسوف التاريخ، المغربي د. محمد الطلابي، يتفق مع مالك بن نبي حول نظريته على اختلاف في الصياغة، كما أنه أضاف مفهومين آخرين حول مولدات الحضارة هما: الرسالة، واللسان، ولا شك أنهما متفرعين عن مفهوم الثقافة. ويمكننا القول إن مولدات الحضارة الآنفة الذكر قد اشتملت على الإنسان والثقافة والتراب، وبقي مفهوم الوقت..
سنناقش مفهوم الوقت تحت محور ميلاد الحضارة بما أن مفهوم الثقافة واسع جدا، الأمر الذي ينضوي في إطاره منظومة من المفاهيم المتداخلة والتي بدورها تخلق تفاعلات فكرية هامة ومختلفة سنشير إلى أبرزها وهي: التراكم المعلوماتي. التفكير الناظم للأبعاد والعلاقات بين المعارف والعلوم والأسباب. التأمل والتفكير الناقد. خلق الأسئلة، والتي تحتاج إلى زمن لتختمر وتصل إلى مرحلة النضج، والزمن قد يطول وقد يقصر بحسب البيئة – المحيط الثقافي بالإنسان. الرغبة والنزوع نحو حياة أفضل، ذلك أن الرغبة والنزوع هما فطريان – غريزيان مركوزان في الإنسان.
القياس العقلي البرهاني السنني، فهذا القياس يبدأ من النظر البسيط – الماء سبب لإنبات العشب والكلأ، والزواج مقدمة للإنجاب وكذا تلقيح الحيوان… إلخ. الانتقال بالسؤال من الشاهد إلى الغائب، وهنا يبدأ السؤال عن الحكمة، وهذه هي الفلسفة العقلانية البرهانية والتي تعني الارتباط بين الأسباب وأثرها – المقدمات والنتائج.
كل ما يرتبط بالوقت – المكون المفهومي الثالث لنظرية مالك بن نبي. الرسالة الثقافية : اللسان الحامل للرسالة الثقافية – لغة العلم.
إطلاق عملية التعليم الحيوي المتصل بالحكمة والبرهان والبحث العلمي الناظر في السنن الإلهية الهادف إلى خدمة الرسالة الثقافية المتمثلة في تحقيق مصلحة الإنسان، ما سبق وذكرته توفر وتراكم عبر زمن في الحضارة الإسلامية باستثناء ثلاثة أشياء هي القيادة والتعليم والمال، فقد كانت هذه الثلاثة ممثلة بالمجتمع وليس القيادة السياسية لاعتبارات ظرفية، ذلك أن رسالة القرآن حركت العقل داخل المجتمع فانطلق بناة الحضارة – مسلمون وغير مسلمين. ان الانفتاح الواعي الرشيد على حضارة السابقين، ترجمة الكتب اليونانية والهندية، وقد كانت الترجمة تحمل عقلية الأستاذ الذي يصحح للطالب: صح/خطأ.
لا يوجد شيء اسمه انبهار وخصوصا في جانب علم الكيمياء، فقد استطاعت العقلية الحضارية الإسلامية أن تخضع النظريات اليونانية والهندية للتجربة المعملية، فكانت قفزة حضارية هائلة في ذلك السياق التاريخي، كان الطب في صدارة الحضارة الإسلامية وكذلك الرياضيات، وفوق ذلك بلورة المنهج العلمي الفكري الإسلامي التشريعي والإداري – السياسة الشرعية.