د. ابراهيم احمد سمو
تمرّ العملية الانتخابية لبرلمان العراق في إقليم كوردستان بمرحلة جديدة ومميزة، تتسم بالهدوء الممزوج بالثقة، وبالتحضير المنهجي الذي يعكس عمق التجربة التنظيمية للحزب الديمقراطي الكوردستاني. فبعد أسابيع من العمل المتواصل، بدأت ملامح المشهد الانتخابي تتضح شيئاً فشيئاً، وبات واضحاً أن الحزب يسير بخطى ثابتة نحو تحقيق هدفه المعلن: حصد المليون صوت وما فوق، ليس كمجرد رقم انتخابي، بل كرمز للتجديد والثقة المتبادلة بين القيادة والجماهير.
في جولاتي الميدانية، وزياراتي المتكررة للجان المشكلة في المقرات والمناطق، أستطيع القول إن العمل الحزبي يسير على قدمٍ وساق، ووفق خطة دقيقة ومنظمة. كل لجنة تعمل بانسجامٍ كامل مع الأخرى، وكأنها خلية نحلٍ لا تهدأ، تتبادل المعلومات والتنسيق، وتشكل الدائرة الحقيقية للصوت الانتخابي في كل حي وناحية. التنظيم في أوج قوته، والانضباط واضح في الأداء، ما يعكس نضج التجربة وتراكم الخبرة لدى الكوادر الحزبية.
الحزب اليوم في منافسةٍ مع ذاته أكثر من منافسته للآخرين، يسعى إلى تحقيق أفضل النتائج لا ليثبت تفوقه فقط، بل ليبرهن أن روح الحزب ما زالت نابضة بالحياة، وأن الجماهير الكوردستانية متمسكة بثوابتها السياسية والتنظيمية. ومع تصاعد وتيرة الحملة، تظهر حركة المرشحين أكثر وضوحاً، إذ تشهد المقرات واللجان المحلية نشاطاً متزايداً، وزياراتٍ ميدانية مكثفة، واتصالاتٍ مستمرة مع الناخبين، مما خلق علاقة تواصل جميلة بين المرشحين والجماهير، علاقة نتمنى أن تستمر حتى بعد انتهاء الانتخابات، لأنها تمثل جوهر العمل الديمقراطي والحزبي الحقيقي.
ومع ذلك، لا يخلو المشهد من بعض الملاحظات، فقد لمست خلال جولاتي شيئاً من الإرهاق والملل لدى بعض المقربين من المرشحين، وربما لدى بعض المرشحين أنفسهم، بعد طول فترة الحملة وضغط العمل اليومي. وهذا أمر طبيعي في كل استحقاق انتخابي يمتد أسابيعه، حيث تتفاوت الطاقة بين المرشحين، ويضعف الحماس عند البعض في الأيام الأخيرة. لكن ما يجب إدراكه هو أن الأيام الحاسمة لا تزال أمامنا، وأنّ السباق لم يُحسم بعد، وأنّ الصبر والمثابرة في اللحظات الأخيرة هي التي تحدد النتيجة النهائية.
لقد أثبت الحزب الديمقراطي الكوردستاني وقيادته الحكيمة، المتمثّلة بالرئيس مسعود بارزاني ونائبيه: رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني، ورئيس الحكومة مسرور بارزاني في هذه الانتخابات مرةً أخرى أنه حزب المؤسسات . فالقوة التنظيمية التي يتمتع بها، والقدرة على إدارة الحملات بطريقة مدروسة، تجعل من كل صوتٍ إضافةً إلى رصيد الحزب العام. حتى في حال عدم فوز بعض المرشحين على المستوى الفردي، فإنّ مجموع أصواتهم يعود بالنفع على القائمة كلها، لأن الفوز في النهاية فوز الحزب، وهو ما يدركه كل كوادره ومناصريه.
وفي محافظة دهوك على وجه الخصوص، تبدو الصورة أكثر إشراقاً. فالحزب هناك في حالة من التفاعل الكبير مع الجماهير، والأجواء إيجابية للغاية. الهدف المعلن هو الفوز بجميع المقاعد، وهو طموح مشروع يعكس الثقة بالنفس والتنظيم. ومع ذلك، تشير الاستقراءات الواقعية إلى أن الحزب قادر على تحقيق تسعة مقاعد على الأقل، وهو رقم قوي يعكس ثقة الناخبين بالديمقراطي ومرشحيه.
ولا يخفى أن بعض المرشحين قد لا يتمكنون من حصد الأصوات الكافية للفوز الشخصي، لكن أصواتهم ستُضاف إلى رصيد الحزب العام، ما يعزز النتيجة النهائية ويرفع عدد المقاعد المضمونة. وهذا بحد ذاته يعبّر عن روح الفريق الواحد، وعن الإيمان العميق بأن الحزب، لا الفرد، هو محور النجاح والاستمرار.
إنّ ما يميز هذه الحملة هو ذلك التوازن بين التخطيط الميداني والانضباط الحزبي. فكل لجنة تعرف دورها، وكل مرشح يعرف جمهوره ومساحته الانتخابية، والعمل يسير وفق إحصاءات دقيقة وتقديرات واضحة. هذه العقلية التنظيمية الحديثة هي التي جعلت الحزب الديمقراطي الكوردستاني يتفوق في كل دورة انتخابية على نفسه أولاً، قبل أن يتفوق على الآخرين.
ومن اللافت أيضاً، أن علاقة الحزب بجماهيره لم تعد موسمية كما في بعض الأحزاب، بل أصبحت علاقة تواصل مستمر، قائمة على الاحترام المتبادل والثقة المتجددة. إنّ الانتخابات هنا ليست مجرد سباقٍ على المقاعد، بل هي تفاعل اجتماعي وسياسي حيّ بين القاعدة والقيادة، بين المرشح والمواطن، بين المشروع الحزبي والمصلحة العامة.
إنّ الأيام القادمة تحمل في طياتها لحظة الحسم، ولكن المؤشرات الميدانية، والروح المعنوية العالية لدى الكوادر، تجعلنا نطمئن أن الديمقراطي ماضٍ نحو نتيجة مشرفة تعكس مكانته التاريخية. فالحزب الذي قاد الثورات وشارك في بناء الإقليم، ما زال قادراً على تجديد حضوره، ومواصلة مسيرة العطاء بثقةٍ وواقعية.
وفي النهاية، يمكن القول إنّ الانتخابات هذه المرة ليست مجرد اختبارٍ للأصوات، بل هي اختبار للثقة والوفاء والانتماء. وإنّ الحزب الديمقراطي الكوردستاني، بحكمته التنظيمية وتماسكه الداخلي، قادر على تجاوز كل العقبات وتحقيق هدفه المنشود. فالهدوء الذي بدأ به المشهد كان علامة النضج، والصعود الذي نراه اليوم هو ثمرة ذلك النضج. وبين البداية والنهاية، يبقى الشعار واحداً: الفوز للحزب… والفوز للشعب