شَمال آكرَيي
في كلمته التاريخية التي ألقاها في العشرين من أكتوبر 2025 أمام نخبة واسعة من الكتاب والإعلاميين والفنانين والرياضيين في أربيل، أطلق الرئيس مسرور بارزاني رسالة إنسانية وسياسية عميقة حين قال: «المُ تسبب به قطع قوت شعب كوردستان ليس أقل من الأنفال والقصف الكيمياوي». هذه العبارة ليست مجرد توصيف عاطفي، بل هي تشخيص دقيق لجذور المأساة المتكررة التي يعيشها شعب كوردستان منذ عقود، ورسالة صريحة ضد الذهنية التي ما زالت أسيرة الماضي، لا تتقّبل مفهوم الشراكة الحقيقية وتُصرّ على المركزية المدمرة التي جلبت الويلات للعراق بأسره.
لقد عبّر الرئيس بارزاني من خلال كلمته عن جوهر فلسفته السياسية والإنسانية القائمة على أن كرامة الإنسان تبدأ من ضمان معيشته وحقه في الحياة الكريمة. فالمسألة ليست مالية فحسب، بل هي مسألة أخلاقية ووطنية تمس جوهر العدالة والمواطنة. عندما تُحرم الأسر من رواتبها لأشهر طويلة، وعندما يُترك الموظف والمعلم والطبيب ولا يستلمون مستحقات تعبهم، فإن الألم يتحول إلى جرح جماعي يمسّ كيان المجتمع بأكمله. وهذا ما قصده الرئيس حين شبّه هذا الألم بما تعرض له الشعب الكوردي في حملات الأنفال والقصف الكيمياوي؛ فكما كانت تلك الجرائم محاولة لإبادة الجسد، فإن قطع الأرزاق هو محاولة لإبادة الروح.
ورغم وضوح النصوص الدستورية التي تضمن حقوق إقليم كوردستان المالية والإدارية، ما زالت الذهنية المركزية القديمة تهيمن على بعض من في بغداد، ممن لم يستوعبوا بعد أن العراق الجديد لا يمكن أن يُدار بعقلية الماضي. إن إصرارهم على التحكم بالموازنات والرواتب وتوظيفها كوسيلة ضغط سياسي هو تعبير عن فشل فكري وإداري، وعن غياب الإيمان الحقيقي بالمبادئ التي نص عليه الدستور العراقي الذي صوّت لصالحه حوالي 78٪.من المواطنين العراقيين.
لقد كان الرئيس بارزاني واضحا في دعوته إلى العدالة، لا إلى المواجهة. فهو لم يطالب إلا بحق الشعب في أن يعيش بكرامة، وأن يتمتع بما يستحقه من خير وطنه، مؤكّدا أن السلام والازدهار لا يتحققان إلا بالثقة المتبادلة واحترام الحقوق. إنّ استمرار قطع الرواتب لا يمكن تفسيره إلا كسياسة عقاب جماعي لا تمت إلى الإنسانية بصلة.
إن كلمة الرئيس بارزاني جاءت بمثابة نداء وطني وأخلاقي موجّه إلى الضمير العراقي قبل أن تكون موقفا سياسيا. فهي دعوة إلى التذكير بأن من يقطع قوت الناس إنما يعتدي على حياتهم، وعلى مستقبل أبنائهم، وعلى وحدة العراق ذاتها. فالشعوب لا تُقهر بالقنابل فقط، بل أيضا بالحرمان من لقمة العيش، والسكوت عن ذلك هو مشاركة في الجريمة.
ختاما، تؤكد هذه الكلمة أن رؤية الرئيس بارزاني تقوم على بناء عراق اتحادي حقيقي، يعيش فيه الجميع بكرامة وعدل، وأن إقليم كوردستان سيبقى نموذجا للسلام والإعمار طالما بقيت قيادته متمسكة بالدستور، مدافعة عن حقوق مواطنيها، مؤمنة بأن العدالة الاجتماعية هي السلاح الأقوى في وجه كل أشكال الظلم القديمة والجديدة.