د. ابراهيم احمد سمو
عندما لا يكون الرئيس أسيرًا لجلباب الحزبية الضيقة، بل يتسع صدره لمسؤولية الوطن الكبرى، عندها فقط نرى الزعيم في صورته الحقيقية. في ظهيرة يومٍ حار من أيام الحملة الانتخابية، البارحة تحدث الرئيس قرابة ساعةٍ كاملة، دون أن يذكر رقم حزبه الانتخابي، ودون أن يدعو إلى التحشيد أو الترويج. كان يتحدث لا بلسان الحزب، بل بلسان الوطن، وبعقل رجل الدولة الذي يرى أبعد من الصناديق والشعارات.
لقد رأيناه كما عرفناه دائمًا، ذاك الذي وثقنا بطريقته ونهجه، وورثنا الإيمان بخطاه من آبائنا وأجدادنا. الرئيس الذي تحدث بالأمس كان هو ذاته الذي عرفناه منذ عقود؛ الحكيم الهادئ، القائد الذي لا تدور عجلة السياسة بدونه، ولا تتشكل حكومة أو برلمان من غير حضوره أو رضاه. فهو، وإن لم يقلها صراحة، يدرك أن القضية الكوردية كانت وما زالت هدفًا للمؤامرات منذ عقود، وأن العقلية المركزية القديمة لم تتبدل مهما تغيرت الوجوه أو تبدلت الأنظمة.
لكن ما كان لافتًا هذه المرة أن الرئيس بدا وقد نفد صبره. قالها بوضوح: فلننظر إلى ما بعد الانتخابات؛ فإن جاءوا للسلم والشراكة الحقيقية، فأهلاً وسهلاً، وإن ظلوا على ما هم عليه، فلكل موقفٍ قراره، دون تردد أو رجعة.
عندها، صفّق الحاضرون لا رياءً ولا مجاملة، بل لأنهم شعروا أن الرئيس نطق بما في صدورهم، وقال ما أراد هذا الجمع الكبير من أهل الفكر والقلم والفن سماعه.
في حديثه، تناول الرئيس الشأن العراقي العام، ووصف واقع الدولة الحديدية التي ما زالت أسيرة فكرة المركزية، وغير قادرة على تقبّل معنى الديمقراطية أو تطبيق الدستور الذي صوّت عليه الجميع. بدا واضحًا أنه لا يخفي امتعاضه من شكل الانتخابات القادمة، إذ وصفها بأنها مرسومة مسبقًا، ولا تعبّر عن الشراكة الحقيقية ولا عن إرادة الناس، فعدد المقاعد باقٍ كما هو مهما تغيّر عدد السكان أو ارتفعت نسب المشاركة. كانت كلماته واقعية، عميقة، تلامس جوهر الأزمة العراقية التي تراوح مكانها منذ سنوات.
أما عن الشأن الكوردستاني الداخلي، فقد تحدث الرئيس بصراحة ومسؤولية. شرح ملابسات عدم مشاركة بعض الأطراف، مؤكدًا أن الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني سيبقيان ركيزتين أساسيتين في المعادلة السياسية. ومع ذلك، فتح الباب أمام إمكان تشكيل الحكومة الجديدة خلال الأسابيع القادمة، مشيرًا إلى أن لكل مرحلة قرارها، وأن ما بعد الانتخابات سيكون وقت الحسم لا الانتظار في شكل جديد.
وفي معرض حديثه، تطرق الرئيس إلى قضايا ذات طابع إنساني وحضاري، تعكس حسَّه العميق بالمسؤولية. تحدث عن البيئة وأهمية الحفاظ على نظافتها، وعن ضرورة محاربة آفة المخدرات، ودعم الحكومة في مشروعاتها التنموية الكبرى، وخصّ بالذكر الإنجازات في مجالي الكهرباء والسدود، مؤكداً أن الماء هو الحياة، وهو أساس كل شيء.
الرئيس الذي تحدّث بالأمس لم يكن يخاطب جمهوره كزعيمٍ حزبي يسعى إلى الأصوات، بل كقائدٍ يريد أن يورّث شعبه الوعي والمسؤولية. ولهذا لم يذكر الرقم الانتخابي لحزبه، لا زهدًا في الفوز، بل حبًا في أن يضع القلم في موضع السلاح. أراد أن يقول للحاضرين: إن معركة اليوم ليست في الجبهات، بل في ميادين الفكر والكتابة. فكما كان السلاح بالأمس وسيلةً لحماية الأرض، فإن القلم اليوم هو السدادة الأولى لحماية الوطن.
لقد جمع الرئيس بين أصحاب الفكر والفن والصحافة والأدب، وجعل من اللقاء رسالة وطنية بليغة. قال ما يؤمن به، وأثبت مرةً أخرى أنه ليس فقط رئيس حزبٍ أو حركة، بل رئيس مسؤول، يرى في الكلمة سلاحًا، وفي الوعي خطّ الدفاع الأول عن كوردستان ومستقبلها.