(حبزبوز) رسالة ساخرة وضمير يقظ في جسد الصحافة

نوري جاسم

في أروقة بغداد الثلاثينيات، وبين الحبر والورق والضجيج السياسي المربك، وُلدت صحيفة حبزبوز صرخة ساخرة في وجه السلطة، وسوط ناعم يضرب بسخرية لاذعة على عيوب الحكم والمجتمع والاحتلال، ولم تكن حبزبوز صحيفة للضحك أو التندر فحسب، بل كانت جريدةً تحمل همومّ المواطن البسيط، وتعرض معاناته بلغة يفهمها، وتنتقد أوضاع العراق بلغة هجائية فكاهية راقية، لتؤسس بذلك مرحلة جديدة في الصحافة العراقية: مرحلة الصحافة الساخرة الملتزمة.

تأسست صحيفة حبزبوز في 29 أيلول/سبتمبر 1931 على يد الكاتب والصحفي العراقي نوري ثابت، الذي اختار لنفسه توقيعًا مستعارًا هو “حبزبوز”، مستلهمًا الاسم من شخصية فكاهية حقيقية من “شقاوات” بغداد يُدعى أحمد حبزبز، كان معروفًا بظرافته وسرعة بديهته، فبدّل نوري ثابت الاسم إلى “حبزبوز”، لتصبح شخصية رمزية وأدبية تمثل الروح الشعبية البغدادية الساخرة.

كانت حبزبوز جريدة أسبوعية كاريكاتيرية ساخرة كتب نوري ثابت معظم موادها بنفسه وحررها من الغلاف إلى الغلاف، مستعينًا ببعض أبرز الأسماء مثل الشاعر الشعبي الملا عبود الكرخي، ورسّام الكاريكاتير مصطفى طبرة، حبزبوز كانت في الظاهر جريدة للتسلية، وفي الحقيقة كانت أداة سياسية وفكرية جادة تخوض معاركها بالسخرية، وسعت إلى نقد الاحتلال البريطاني وسياساته وفضح خداعه، والتشهير بالفساد الحكومي وأداء «مجلس الأمة» بشقيه مجلس النواب ومجلس الأعيان. وفضح التفاوت الطبقي والانحياز للفقراء والمسحوقين، ونشر الوعي الشعبي من خلال تبسيط السياسة للناس بلغة ساخرة مفهومة، ودعم حرية التعبير وتحدي السلطات باستخدام السخرية كدرع وسلاح.

وكان نوري ثابت يؤمن أن الصحافة ليست للترفيه فقط بل وسيلة للتنوير والتوعية، حتى أنه كتب في إحدى مقالاته متمنياً أن يكون “حمارًا حرًا طليقًا” لأنه في نظره سيكون أصدق من النواب النائمين، تميزت الصحيفة بأسلوبها الفريد الذي جمع بين الفكاهة الشعبية البغدادية بلغة بسيطة ومباشرة، والكاريكاتير السياسي أداة نقد بصري جريء، والمحاكاة الساخرة التي كانت تحاكي خطب السياسيين وقوانين مجلس الامة بلغة تهكمية، والشعر الشعبي السياسي خصوصًا من خلال قصائد الملا عبود الكرخي مثل رثائه لثور مزرعته الذي وظّفه لانتقاد الوضع السياسي، حيث قال: “الشريف اصبح يخدم العاطل جلف وكاسد البلور واترقه الكحف… (يوم الأكشر… يوم عض السانه)”.

كانت حبزبوز قريبة من الناس حتى أن الكثيرين ممن لا يعرفون القراءة كانوا يشترونها ويطلبون من غيرهم قراءتها لهم، وتحولت مع الوقت إلى أداة تحفيز على تعلم القراءة لأنها حملت لغة الناس وهمومهم وروحهم، وكانت أول صحيفة عراقية تفتح الباب رسميًا أمام الصحافة الهزلية، لكنها لم تكن هزلية بالمعنى الفارغ بل ساخرة ناقدة تنطلق من موقف فكري ملتزم، فأرست تقاليد جديدة في الكتابة الصحفية تعتمد على السخرية الذكية دون ابتذال، ووظّفت الأمثال الشعبية والحكايات التراثية في سياق سياسي، واستخدمت أسماء مستعارة مثل (خجه خان) و(أ. حبزبوز) للتغطية على النَفَس التحريضي لمقالاتها، وأثرت في أجيال من الصحفيين الساخرين مثل صادق الأزدي صاحب مجلة قرندل لاحقًا، أثرت حبزبوز في الشارع العراقي فكانت مرآة وصوتًا ناقدًا له.

وفي الصحافة العراقية ففتحت الباب لصحف ومجلات فكاهية لاحقة، وساهمت في تسييس الجماهير بطريقة غير مباشرة، كما مارست النقد الثقافي والاجتماعي ولم تقتصر على السياسة فقط، كانت فلسفتها قائمة على أن الهزل أداة جد والسخرية طريق إلى الوعي، وتماشياً مع قول الشاعر الزهاوي “الهزل في الكلام كالملح في الطعام قليل كثير ومره نمير” استخدمت الصحيفة الفكاهة ليس للضحك بل كقناع لكشف الحقيقة بأسلوب يخترق المحظورات دون أن يُقمع بسهولة.

توقفت حبزبوز عن الصدور بعد عددها رقم 303 في 5 تموز/يوليو 1938 بسبب مرض نوري ثابت بمرض السل الذي توفي بعدها بأشهر قليلة في 12 تشرين الأول/أكتوبر 1938 عن عمر لم يتجاوز 41 عامًا، ورغم عمرها القصير فإن حبزبوز ما زالت حيّة في الذاكرة الصحفية العراقية، فقد بقيت رمزًا للصحافة الحرة الجريئة الشعبية الساخرة، ولم تكن حبزبوز مجرد صحيفة بل كانت منبرًا شعبيًا ناقدًا ورسالة وعي في ثوب ساخر، وعبر لغة السخرية استطاع نوري ثابت أن يعري السلطة ويؤجج الحماسة في صدور الناس ويؤسس لفن جديد في الصحافة العراقية.

لقد علمتنا حبزبوز أن الهزل الحقيقي لا يخلو من الألم، وأن الضحك أحيانًا وسيلة مقاومة، وأن الصحفي الجاد قد يكون مهرجًا في الشكل لكنه حكيم في الجوهر، نوري ثابت – حبزبوز… صاحب أول “ابتسامة ثورية” في تاريخ الصحافة العراقية.

قد يعجبك ايضا