الفاتحة والخطبة في قانون الأحوال الشخصية رقم ( 188 ) لسنة( 1959 )

الاستاذ المساعد الدكتور
رزكار حمه بينجويني

يعتبر قانون الأحوال الشخصية من القوانين المهمة التي لها مساس مباشر بحياة الناس فهو القانون الذي يعنى بشؤن الأسرة ويضع القواعد القانونية التي تكفل حل كل الإشكالات التي تواجه الأسرة في الحياة العملية ، فمسائل الزواج والطلاق والنفقة والعدة والحضانة والنسب والولاية والوصية والميراث وغيرها تدخل في صميم حياة الناس اليومية . وانطلاقا من هذه الحقيقة نجد أن مشرعي قوانين الأحوال الشخصية في مختلف بلدان العالم يحاولون جاهدين وضع قوانين محكمة ومتماسكة ودقيقة ويحاولون الارتقاء بها عن النقص أو الخطأ أو الغموض أو التعارض ، وذلك من خلال صياغة نصوصها صياغة واضحة ودقيقة وبلغة قانونية سليمة وبنصوص متسلسلة يكمل بعضها البعض الآخر . الأمر الذي يسهل على رجل القانون قاضيا كلن أم محاميا إن يطبق هذه النصوص أو يتعامل معها دون مشاكل أو معوقات .

إلا انه مع هذا الجهد الذي يبذله واضعوا هذه القوانين في ضمان ذمتها وسلامة نصوصها وأحكامها نجد في مقابل ذلك أن النفس البشرية مجبولة على النقص والخطأ والنسيان ، لذا كان من النادر أن نجد قانونا متكاملا يخلو من النقص أو الخطأ .
وفي العراق حاول مشرعو قانون الأحوال الشخصية رقم ( 188 ) لسنة( 1959 ) صياغة نصوص هذه القانون صياغة دقيقة ومحكمة بعيدا عن كل ما يمكن انم يعتري هذه النصوص من النقص أو الخلل أو الغموض .

إلا انه مع ذلك وعند دراستنا لنصوص هذا القانون وجدنا “وهو أمر طبيعي ”
إن هناك العديد من الملاحظات التي يمكن أن نسلط الضوء عليها في نصوص هذا القانون لبيان أوجه الخلل فيه ومحاولة وضع الحلول المناسبة بما يرتقي بهذا القانون ويجعل منه قانونا دقيقا ومتكاملا
تنص الفقرة ( 3 ) من المادة ( 3 ) المشار إليها على إنه ” الوعد بالزواج وقراءة الفاتحة والخطبة لاتعتبر عقدا .
وبموجب هذا النص أشار المشرع إلى بعض التصرفات التي تعتبر من مقدمات عقد الزواج والتي جرى العرف على رعايتها والاهتمام بها قبل العقد . لما لهذا العقد من أهمية وآثار خاصة ويلاحظ على هذا النص .

أولا : ـ إن المشرع العراقي لم يعتبر الخطبة والوعد بالزواج وقراءة الفاتحة عقدا . إلا إنه لم يعط وصفا قانونيا لهذه إلاجراءات التي تسبق العقد .

ثانيا : ـ إن العرف جرى على إن مفهوم مصطلح الخطبة يشمل قراءة سورة الفاتحة ، والوعد بالزواج ، وبعض المراسيم اللاخرى ، والاتفاق على كافة الاجراءات الخاصة بالزواج وبالتالي كان يكفي المشرع النص على(عدم إعتبار الخطبة عقدا ).

ثالثا : إن المشرع لم يوحد الاحكام الخاصة بالخطبة في مادة واحدة او فصل واحد، وإنما وزع أحكامها بين مواد القانون وفصوله حيث وضع الفقرة ( 3 ) المشار اليها في نص المادة ( 3 ) من الباب الاول الخاص بالزواج والخطبة ، ثم عاد في نص المادة ( 19 ) من الباب الثالث والذي تناول فيه المشرع حقوق الزوجية وأحكامها ليتناول الأحكام الخاصة بالخطبة حيث نص في الفقرة ( 2 ) على إنه إ ذا سلم الخاطب المخطوبة قبل العقد مالا محسوبا على المهر ثم عدل احد الطرفين عن إجراء العقد أو مات احدهما فيمكن إسترداد ما سلم عينا وإن أستهلك فبدلا.
ونص في الفقرة ( 3 ) على إنه ” تسري على الهدايا أحكام الهبة “.

وبناء على ماتقدم فإننا نقترح .
إولا : ـ إعادة صياغة الفقرة ( 3 ) من المادة ( 3 ) لتكون صياغتها على النحو الآتي :(لاتعتبر الخطبة عقدا وإنما تعتبر من مقدمات عقد الزواج ).

ثانيا : ـ توحيد الاحكام الخاصة بالخطبة في فصل واحد وبمواد متسلسلة لا أن يعمد المشرع الى تفريق أحكامها بين فصول وأبواب هذا القانون
وتنص الفقرة ( 7 ) من المادة ( 3 )على إنه ” إستثناء من أحكام الفقرتين(4 ـ 5 ) من هذه المادة ، يجوز الزواج بأكثر من واحدة إذا كان المراد الزواج بها أرملة
وبموجب هذا النص لم يشترط المشرع الحصول على إذن القاضي للزواج بزوجة ثانية ، ولم يشترط تحقق الكفاية المالية للزوج ، أو وجود مصلحة مشروعة للزواج ، كما أجاز التعدد حتى مع وجود الخوف من العدل إذا كانت المرأة المراد التزوج بها أرملة . وهو ما يفهم من إيراد هذا النص إستثناء من نص الفقرتين ( 4 و 5 ) واللتان تناول فيهما المشرع الشروط الخاصة بالحصول على إذن القاضي للزواج بأكثر من إمرأة حيث نص في الفقرة ( 4 ) على إنه لايجوز الزواج باكثر من واحدة إلا بأذن القاضي ويشترط لإعطاء الأذن تحقق الشرطين التاليين : ـ
أ ـ أن تكون للزوج كفاية مالية لإعالة أكثر من زوجة واحدة .
ب ـ أن تكون هناك مصلحة مشروعة .
ونص في الفقرة ( 5 ) على إنه ” إذا خيف عدم العدل بين الزوجان فلا يجوز التعدد ويترك تقدير ذلك للقاضي ” وقد كان هدف المشرع من إيراد هذا النص تشجيع الزواج بالأرامل لكثرة أعدادهن في فترة تشريع هذا النص ، وذلك جبرا للضرر وللألم الذي تعانية الزوجة بعد وفاة زوجها من صعوبة العيش ومشاكل تربية الأطفال والعناية بهم والانفاق عليهم ولدفع الفتنة التي يمكن أن تتعرض لها الزوجة بعد وفاة زوجها خصوصا إذا كانت لاتزال شابة في مقتبل عمرها

إلا إننا نرى إن ألاستثناء الوارد على نص الفقرتين (4 ،5 ) إستثناء غير دقيق من ناحيتين : ـ
الاولى : ـ إن هذا الأستثناء يتعارض مع الحكمة من وضع شروط للحصول على إذن القاضي للزواج بأكثر من زوجة ، فأشتراط الكفاية المالية أمر مهم لابديل عنه إذ كيف سيستطيع الزوج الانفاق على زوجته الاولى والثانية ( الارملة ) إذا لم تكن له مثل هذه الكفاية . وهو الامر الذي تجعل بعض القوانين من عدم تحققه سببا يبيح للزوجة حق طلب فسخ العقد ثم ماهو الفرق بين الارملة وغيرها في اشتراط مثل هذا الشرط وبالتالي فلا شك في أن تخلف هذا الشرط سيكون سببا في إيذاء الزوجة الاولى بالاضافة الى الثانية الامر الذي قد يدفع الزوج ربما إلى تطليق إحدى الزوجتين ، فكان الامر كمن يداوي داء بداء آخر

الثانية : ـ إن الشارع المقدس في القرآن الكريم لم يفرق بين الارملة وغيرها من حيث عدم جواز التعدد في حالة الخوف من عدم العدل حيث قال تعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ) ، وبالتالي كيف يمكن القول بمخالفة هذا النص القرآني بدعوى المساهمة في رفع الأذى عن الارامل وجبر ضررهن .

وبناء على ماتقدم فإننا نرى ضرورة رفع الاستثناء الوارد في نص الفقرة ( 7 ) من المادة ( 3 ) لتعارضه مع الحكمة من إشتراط الحصول على إذن القاضي في التزوج باكثر من زوجة . ولتعارضه مع النص القرآني ، ونرى بأن على المشرع محاولة إيجاد حلول بديلة عن هذا الأستثناء تساهم في معالجة مشكلة النساء الارامل .

قد يعجبك ايضا