الدكتور ياسين الزيباري
العلاقة بين المسلمين والمسيح من أبناء البلد علاقة وطيدة متينة ، لاتــتأثــّـر بمختلف الأحوال ، والأزمنة ، والكوارث بل يشتد التلاحم فيما بينهم ، وبالنسبة لي كانت لي علاقة طيبة مع المسيح ، ويعود ذلك إلى العلاقة العائلية ، والمناسبات المختلفة ، فطبيب أولادي و طبيبةعائلتي منهم ، و الفني ّ في صيانة سياراتي مسيحي ، وعند زيارتنا لكثير من العوائل يسألونني يا عم ّ هل صليت ، هيا أدّ صلاتك وحينما أتوضــَّــأ أرى السجادة مفروشة ، والقبلة نامة عليها ، وعندما يولد لهم مولود يقولون لي يا عم ّ ادعي لولدنا ، واقرأ عليه بعض الآيات ، وأتذكر حينما كنت في مرحلة كتابة البحث للدراسات العليا بإشراف البروفيسور الدكتور حمدان الكبيسي ، أشير علـــَــيَّ بوجود بعض المصادر ذات العلاقة بالبحث في كنيسة في الموصل ، فشددت الرحال من بغداد الى الموصل وذهبت إلى الكنيسة ، واستقبلوني بكل حفاوة وتكريم وسمحوا لي بالتجوال في المكتبة وقالوا : أي كتاب تحتاج إليه خذه والمدة مفتوحة للإعادة ، وكانت المسؤولة عن المكتبة راهبة ، فقلت لها ، وإذا لم أعد الكتاب ، لم تأخذوا مني هوية ولاعنوان ، فقالت : لا .. لا .. لدينا ثقة بك ، وحث لي نفس الموقف في كنيسة في الحمدانية ، ولهم مواقف مشرفة كثيرة معنا ، وكتبت بحثاً بعنوان ( العلاقات الطيبة بين المسلمين والنصارى في التأريخ الإسلامي ) قدمته إلى المؤتمر المسيحي الثالث في بغداد عام ( 1998 ) ، وما أريد أن أذكره هنا أنـــَّـه في عام ( 1978 م ) كانت لدي معاملة تعيين أخي الأكبر ليكون مدرساً في الإعدادية ، وكنت حينها طالباً في الصف الثاني في جامعة بغداد ، وقبل دخولي إلى وزارة التربية إستوقفني شاب رأى عليّ سمة الكوردية وهو خريج اللغة الإنكليزية ، يريد أن يقدم للتعيين بصفة مدرس ، فسألني عن كتابة كيفية تقديم الطلب ، فقلت له تريد أن أكتب لك طلباً للتعيين فكتبت له طلباً للتعيين لأنه قال عربيتي ضعيفة ، وودعته ، ولما دخلت إلى وزارة التربية رأتني راهبة عليها سمات الإحترام والتقدير وكذلك فهمت أنها قد علمت بأنني كوردي ، فسلــَّــمـَـت علي ّ وقالت : ماذا لديك ياشيخ ..؟ لأنــّـنـي كنت مرتدياً الزي الديني الرسمي ، فقلت لها : لدي ّ معاملة أخي للتعيين ، فقالت هات ِ أوراقك وتعال معي فذهبت معها في غرفة فيها بعض الموظفين والموظفات ، و قالت إجلس هنا لا تقم من مكانك حتى أعود إليك ، كيف أسمح لك بترويج معاملتك من هذه الغرفة وتلك ، وأوصت لي بالماء والشاي ، و مكثت أنتظر ، وأنتظر ، واستغرق الوقت نحو ساعة وربما أكثر إن لم تخنــّـي الذاكرة ، وبعدها عادت وبيدها كتاب موقع بالتعيين من وزير التربية ، بالأمر الوزاري ، وفيها رقم الصادرة ، وجاهزة ، وقالت : تأخذ الكتاب إلى أربيل وعليكم المباشرة بالدوام ،
والله موقف نبيل لا أنساه أبدا ً ، وموقف مارأيت مثله ، وقد حصلت على الرتب العلمية والإدارية المختلفة ، وأنا أكتب هذه الأسطر في عام ( 2025 م ) ، لذا أنا مدين لها إن كانت باقية في الحياة ، أو رحلت إلى دار الآخرة ، ومن الأدب الشرعي من أسدى إليك معروفا ً فعليك بمكافأته ، فإن لم تستطع فعليك ذكره بخير .