الرئيس مسعود بارزاني.. وجع الرواتب ووجدان كوردستان

فريدة الحسني

في تصريح مؤثر يحمل في طياته عمق الألم والقلق، قال الرئيس مسعود بارزاني إن “ضرر استخدام ورقة الرواتب ضد شعب كوردستان يضاهي حملات الأنفال والكيمياوي”. هذه الكلمات ليست مجرد توصيف سياسي، بل صرخة من القلب تعبر عن وجدان شعب طالما تحمل الظلم والمعاناة، وها هو اليوم يواجه حرباً من نوع آخر، حرباً اقتصادية ومعنوية تستهدف لقمة العيش وكرامة الإنسان.

عبارة ثقيلة في معناها، صادقة في مشاعرها، وتعكس عمق الغضب والألم الذي يشعر به المواطن الكوردستاني من سياسات تمارس ضده باسم الاجراءات المالية أو الإدارية

توصيف لا مبالغة فيه

الذين يعرفون تاريخ المعاناة في كوردستان يدركون أن كلام الرئيس بارزاني لا يهدف إلى المقارنة بين المآسي من حيث الدماء والضحايا، بل هو توصيف رمزي لمدى القسوة التي يشعر بها الناس عندما تمس كرامتهم ومعيشتهم اليومية، فحين يتحول الراتب إلى أداة ضغط سياسي، يصبح الأثر النفسي والاجتماعي مؤلماً بقدر ما كان الألم الجسدي في زمن القصف والأنفال، لأن الجرح هذه المرة يصيب الحياة اليومية ذاتها لا الجسد فقط، فالراتب ليس مجرد رقم مالي، بل هو مصدر استقرار لعائلة وضمان لكرامة موظف، وأساس لطمأنينة مجتمع يريد أن يعيش بسلام بعد عقود من الصراعات.

الرواتب ليست ورقة ضغط

إن استخدام ملف الرواتب كورقة سياسية يمثل خروجا على روح الشراكة الدستورية التي قامت عليها العلاقة بين الإقليم والمركز. فحق المواطنين في رواتبهم ليس موضع تفاوض ولا يمكن أن يكون أداة عقاب جماعي لأي خلاف سياسي، ومن هنا تأتي قوة تصريح بارزاني إذ يعيد التذكير بأن العدالة الاجتماعية والالتزام بالوعود المالية هي أساس بقاء أي حكومة كحكومة وحدة وطنية حقيقية.

كلمات بارزاني تحمل أيضاً رسالة واضحة إلى الحكومة الاتحادية في بغداد: أن العدالة في توزيع الثروات، والوفاء بالوعود، ليست منةً، بل واجب دستوري وأخلاقي. فالوحدة الوطنية لا تبنى على الوعود المؤجلة ولا على القرارات الانتقائية، بل على الثقة المتبادلة والاحترام المتكافئ بين المكونات.

قلق مشروع ودعوة للصدق

كلام الرئيس بارزاني لا يعبر عن تحد بقدر ما يعكس قلقا مشروعا من تراكم خيبات الأمل بين المواطنين تجاه الوعود الحكومية. فقد شدد على ضرورة أن تكون الحكومة صادقة مع شعبها لأن الكذب في السياسة ينتج الانقسام ويقوض النسيج الاجتماعي الموحد الذي يعد من أبرز إنجازات كوردستان منذ 1991.

وفي هذا السياق يبدو أن الرئيس بارزاني أراد دق ناقوس الخطر وليس اشعال الخلاف مؤكداً أن مصير كوردستان لا يحتمل المزيد من الأزمات المفتعلة.

دعوته، تعبر عن حرصه على بقاء كوردستان جزءاً من نسيج وطني موحد، قائم على العدالة لا التهميش. وإن قلقه من فقدان الثقة بالحكومة المحلية أو الاتحادية نابع من إحساسه العميق بمسؤولية الحفاظ على هذا النسيج، وعلى روح التعايش التي تميز كوردستان منذ عقود.

كلمات الرئيس بارزاني تضع النقاش في إطاره الأخلاقي قبل السياسي. فالقضية ليست مالية فقط، بل قضية كرامة وهوية كوردستان التي واجهت الأنفال والكيمياوي بعزيمة وإصرار، لن تنكسر أمام حرب اقتصادية، لكنها في الوقت ذاته تنتظر من الحكومة الاتحادية أن تكون أمينة على مبدأ العدالة والمواطنة المتساوية.

ختاما

في زمن تتداخل فيه السياسة بالمعيشة، يصبح الصوت الصادق ضرورة وطنية تصريحات الرئيس بارزاني لم تكن مجرد رد على أزمة مالية، بل كانت صرخة وجدان كوردي صادق يطالب بالاحترام والعدالة، ويذكر الجميع أن الشراكة لا تقوم إلا على الثقة وأن كرامة شعب كوردستان هي جزء لا يتجزأ من كرامة العراق كله فهو ليس مجرد تصريح سياسي عابر، بل هو وثيقة إنسانية تعبر عن معاناة شعب يرفض أن يهان أو يستخدم كورقة ضغط في لعبة السياسة.

قد يعجبك ايضا