د. علاء إبراهيم
تمثل الضريبة أحد موارد الدولة التي تغذي الموازنة العامة للدولة ومن شأنها أن تسهم في تحقيق أهداف اقتصادية عدة تنعكس إيجابا على الواقع المعاشي للعديد من الفئات المجتمعية شريطة أن تستثمر بالشكل الأمثل وفق سياسة ضريبية محكمة، كما أنها قد تسهم بشكل سلبي في تحقيق ما تقدم أن تحولت إلى أداة هدفها الحد من الرفاه الاجتماعي أو أداة لتوجيه السلوك الفردي والجمعي لتحقيق أهداف السلطة الحاكمة، ما يبتعد بنا عن الغاية المتوخاة المتمثلة بتأمين الحق بالعيش الكريم .
والأخير يعد وبحق أحد أهم الحقوق التي كفلها الدستور العراقي النافذ والوثائق الدولية ذات الصلة التي أشارت إلى هذا الحق وكفلته للأفراد في جميع الأوقات، وفي جميع الأماكن والدول بلا أي استثناء، إذ ألزمت السلطات العامة في الدولة على بذل المستطاع من الجهد بغية الوصول إلى ذلك، ويعني العيش الكريم قدرة الإنسان على إشباع حاجاته وتلبية رغباته، وبلوغ ما تقدم يتطلب جهداً تشاركياً بين السلطة العامة والفرد فهنالك العديد من العوامل التي من شأنها أن تحقق ذلك ((كمستوى دخل الفرد، والحالة الاقتصادية في البلد، والمسار التنموي، والمناخ الاقتصادي، والاستقرار الأمني والاجتماعي، ولتحفيز المالي، والتسهيلات الاستثمارية)) وغير ما تقدم كثير .
فالعيش الكريم، إذن واحداً من أهم متطلبات الحياة الفردية والجماعية وواجباً يقع على كاهل الدولة وهدفاً يستحق المضي باتجاهه، فهو مصلحة يستأثر بها المواطن من شأنها أن تحقق له حالة من الاستقرار النفسي والاطمئنان، ولا يكون ما تقدم ما لم تسهم الدولة بذلك من خلال قيامها بواجباتها ذات الطابع الاجتماعي والاقتصادي حيث انتهى الدستور العراقي للعام 2005 في المادة (30) إلى أن من واجبات الدولة في العراق أن تتكفل وبخاصة للمرأة والطفل “الضمان الاجتماعي والصحي والمقومات الأساسية للعيش في حياة حرة كريمة تؤمن لهم الدخل المناسب والسكن الملائم” وفيما تقدم إشارة واضحة لواجب الدولة في القيام بكل ما أوتيت من قوة بواجبها تجاه المجتمع عامة والمرأة والطفل خاصة لتحقيق الغاية المبتغاة .
ولما تقدم نلحظ أن الحق في العيش الكريم مفهوم يتمثل في “العيش بلا خوف” فلا خوف من الجوع أو التشرد أو البطالة أو غيرها من الآفات التي تقلق الإنسان وتجعل حياته غير مستقرة بعبارة أخرى ان تحقيق الأمن الاقتصادي والاجتماعي وبحق يعد مقدمة صالحة لتحقيق الحياة الحرة الكريمة حيث انتهت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى أن الأمن الاقتصادي هو “الحالة التي تمكن الأفراد أو الأسر أو المجتمع من تأمين احتياجاتهم الأساسية وتلبية النفقات الإلزامية بشكل مستدام يلبي متطلبات الكرامة الإنسانية، ويشمل ما تقدم الحاجات الأساسية كالطعام أو الشراب والمسكن واللباس ومستلزمات التعليم اللائق ” .
بعبارة أخرى هو مجموعة من تدابير الحماية والضمان التي تمكن الإنسان من تلبية احتياجاته الأساسية من مأكل وملبس وعلاج وتعليم وضمان الحد الأدنى من الرفاه الاجتماعي أي أن يملك الفرد الوسائل المادية التي من شأنها أن تعينه على حياة مستقرة، أما الأمن الاجتماعي فينصرف إلى اطمئنان الإنسان على نفسه وأسرته من أي خوف ولأي سبب فيطمأن على ذاته من الخوف والمضايقة لأسباب تكوينية أو مكتسبة الأولى تعني الخصائص الذاتية كالجنس أو اللون أو السلامة الجسدية من العاهات والثانية تتعلق بالمستوى المعاشي والتعليمي والاقتصادي .
ليس ما تقدم فقط فالأمن الاجتماعي يحمل في ثناياه معنى أدبي أو معنوي وليس مادي فحسب يتمثل في الاطمئنان على الحالة الدينية أو الاعتقادية للفرد في الوقت الحاضر والمستقبل، ويرى البعض أن الحالة الأسرية تحتمل ما تقدم كذلك بأن الفرد يطمأن على مستقبل أسرته ولا يشعر بالخوف إزاء ما يواجهون في الحاضر أو المستقبل، ولما كان العمل والسكن ومستوى الدخل وتكوين الأسرة والحالة المعنوية المرابطة بالفكر والعقيدة وغيرها تمثل مسألة نسبية تتوقف على مقومات بالغالب اقتصادية أو اجتماعية، فإن الدولة ليست ببعيدة عن تحقيق الأمن بالمفهوم المتقدم بتبني المشروع المدني حيث سيكون له عظيم الأثر على سرعة الانتقال لحالة العيش الكريم لمواطني الدولة بما يتطلبه من سن قواعد قانونية متكاملة ومرنة من شأنها الاستجابة وتحقيق حالة من التوازن بين المتطلبات العامة للبلد والحالة المعاشية للفرد، فليس من الصواب التضحية بإحداهما بل لترابطهما ينبغي بناء إستراتيجيةفعالة قادرة على خلق التوازن بينهما .
والسياسة المالية بأدواتها التقليدية أو الحديثة لا سيما الضريبة ليست ببعيدة عما تقدم بل ستلقي بظلالها على تحقيق الأمن الإنساني عامة والاقتصادي والاجتماعي خاصة وتسهم في تحقيق العيش الكريم الهدف الاستراتيجي للسلطات العامة في البلد فالضريبة عبارة عن مبلغ مالي أو فريضة تستوفيها الدولة من الأفراد بلا مقابل بما لها من سلطة الأمر والنهي والإلزام تقصد من ورائها أهدافاً معينة تستقيها من فلسفتها في الحكم، وبالغالب تذهب الحصيلة الضريبية لتمويل الموازنة العامة وللقيام بمشاريع استثمارية أو تنموية تنعكس على المجتمع ايجابياً، ما يعني أن فلسفة الحكم التي يكرسها القانون الصادر في الدولة والذي يعكس أيدلوجية معينة ويمثل رؤية القابض على السلطة وتوجهاته الاقتصادية والمالية، فسيكون لما تقدم الدور الكبير في تحديد الضريبة وآليات فرضها ومستويات ذلك