د. ابراهيم احمد سمو
حين كتب جان جاك روسو في القرن الثامن عشر، لم يكن يتحدث إلى عصره فقط، بل إلى الإنسان في كل زمان. وُلد روسو عام 1712 وتوفي عام 1778، وخلّد اسمه في التاريخ بكتابه الشهير العقد الاجتماعي، الذي أرسى فيه مبدأ أن الحرية ليست امتلاكًا مطلقًا للنفس، بل هي اتفاق إنساني قائم على الاحترام المتبادل والمسؤولية المشتركة. ومن فكره هذا تولدت المقولة التي أصبحت قاعدة أخلاقية كونية: “تنتهي حريتك عندما تبدأ حرية الآخر”.
هذه العبارة التي يراها البعض بسيطة في ظاهرها، تختزن في جوفها أعقد الأسئلة الفلسفية والاجتماعية: كيف نوازن بين حرية الفرد وحق المجتمع؟ وكيف نصون ذاتنا دون أن نعتدي على ذوات الآخرين؟
في مقاله المنشور في جريدة الزمان بعنوان “موجز في الأمن المجتمعي”، يعيد السيد فاضل ميراني فتح هذا النقاش من زاوية معاصرة. مقاله لا يكرر فكر روسو، بل يعيد توظيفه في قراءة واقعنا الراهن، حيث تتقاطع الحرية الفردية مع المسؤولية الجماعية في زمنٍ تتسارع فيه التحولات الاجتماعية والتكنولوجية والفكرية.
الحرية كميزان للتعايش
يرى ميراني أن المجتمع هو الميدان الحقيقي الذي تُختبر فيه الحرية. فالفرد لا يعيش في فراغ، بل في نسيج مترابط من علاقات ومصالح وأفكار. لذا فإن الحرية المطلقة ليست سوى وهم، لأن كل فعلٍ أو قولٍ يصدر عن الإنسان يؤثر بطريقة ما في الآخرين. من هنا تأتي خلاصة فكرته التي تلخّص جوهر المقال:
“كن ما تريد، وقل ما تريد، واكتب ما تشاء، لكن بشرط ألا تتعدى حدود حرية الآخرين.”
هذه الجملة تحمل في طياتها موقفًا فلسفيًا وأخلاقيًا واضحًا: الحرية لا تُقاس بما نملكه من قدرة على الفعل، بل بما نتحمّله من مسؤولية تجاه من يشاركنا الوجود.
فحين يقول الكاتب “اذهب بعيدًا في الفكر والمناقشة دون أن تؤذي أحدًا”، فإنه يضع معيارًا جديدًا للحرية الحديثة: حرية التفكير لا تُلغى بحدود، ولكنها تُهذّب بالوعي. فالإنسان المتحضر لا يُقاس بجرأته على الكلام فقط، بل بقدرته على احترام المساحة النفسية والفكرية للآخرين.
روسو والحاضر: تلاقي الفكر والواقع
حين نقرأ روسو اليوم، نجد أن أفكاره عن “العقد الاجتماعي” ليست مجرد تنظير سياسي، بل هي خريطة لبناء الأمن المجتمعي الذي تحدث عنه ميراني. فروسو يرى أن الإنسان يولد حرًا، لكن بقاء حريته مشروط باتفاق ضمني مع غيره — اتفاق قوامه احترام الحقوق المتبادلة.
ميراني يستعيد هذا المعنى ليقول: إنّ المجتمعات لا تُبنى بالقوانين فقط، بل بالوعي الأخلاقي الذي يضبط سلوك الأفراد داخلها. وهنا يتجاوز الكاتب البعد الفلسفي إلى البعد الواقعي؛ إذ يربط بين الحرية والأمن، وبين الفكر والسلوك، ليؤكد أن غياب التوازن بين الاثنين يقود إلى فوضى فكرية واجتماعية.
بين الماضي والمستقبل: الإنسان هو الثابت
من أجمل ما ورد في مقال ميراني إنّ “علم الاجتماع يتجدد، لكن قواعده لا تُحدّد بالواقع بقدر ما تُحدّد ببقاء الإنسان”. هنا تتجلى الرؤية الإنسانية التي تربط الفكر العلمي بالجوهر الأخلاقي. فمهما اختلفت الأجيال والألوان والمشارب، يبقى الإنسان هو محور الأرض وسيدها.
إنّ هذا الطرح يذكّرنا بتحذيرات روسو من تحوّل الإنسان إلى “ذئبٍ لأخيه الإنسان” إذا غابت القيم المشتركة. وكأنّ ميراني، بعد قرون من روسو، يعيد تذكيرنا بأن الحضارة بلا إنسانية غابة، وبأن الحرية بلا وعي خطر لا يقل عن القيد نفسه.
الطبيعة والإنسان… دروس في التوازن
في ختام مقاله، يربط ميراني بين الإنسان والطبيعة في مشهد فلسفي عميق. فحين “تغضب الطبيعة، تهلك الجميع”، وكأنها تقول للبشر: أنتم جزء من نظام أكبر، فلا تتوهموا السيطرة المطلقة. هذه الفكرة، التي تمتد من فلسفة الوجود إلى فلسفة الأخلاق، تُعيدنا إلى سؤال روسو الأبدي: هل الإنسان سيد الطبيعة أم جزء منها؟
ربما الجواب يكمن في التوازن ذاته: أن نعيش أحرارًا ما دمنا لا نفسد نظام الكون ولا نعتدي على من يشاركنا الحياة فيه.
خاتمة
إنّ قراءة مقال السيد فاضل ميراني من منظور فلسفة روسو تكشف عن تواصلٍ فكري بين قرنين يفصل بينهما الزمن، ويوحدهما الهمّ الإنساني ذاته. فكلاهما يؤمن بأن الحرية الحقيقية لا تُمارس في العزلة، بل في مجتمعٍ يضبطها بالقيم، ويصونها بالمسؤولية.
الحرية ليست شعارًا يُرفع، بل ثقافة تُمارس. ومتى أدركنا أن احترام الآخر هو شرط وجودنا الإنساني، نكون قد فهمنا جوهر ما قاله روسو، وما يعيد ميراني تأكيده اليوم: أن الإنسان، لا السلطة ولا المال، هو البداية والنهاية لكل فكرٍ ومجتمعٍ حر