حين تختنق الديمقراطية: دعاية مسمومة ووطن على حافة الاحتراق

ياسر بادلي

مع اقتراب موعد الانتخابات، كان الأمل أن تشهد البلاد صحوةً وطنية، تُعيد إلى الديمقراطية معناها الحقيقي، وتفتح أمام الشعب أبواب الرجاء بمستقبلٍ أفضل. لكن ما إن بدأت الحملات الانتخابية، حتى تحولت الساحة إلى ساحة صراع لا يشبه الديمقراطية بشيء، بل يُشبه حربًا عبثية، أدواتها ليست البرامج ولا الأفكار، بل سُموم الطائفية والعنصرية والعشائرية التي تعود بالجميع عشرات السنين إلى الوراء.

في المشهد الانتخابي اليوم، اختفت لغة المشاريع، وغابت الرؤى الوطنية، وحلّ محلها خطاب التحريض، وتسقيط الخصوم، والطعن في الأعراض قبل المبادئ، وكأن المواطن في سوق نخاسة سياسي، لا في ميدانٍ يُفترض أن يعكس إرادة شعب يبحث عن الخلاص.

من المؤسف أن تتحول الدعاية الانتخابية، التي ينبغي أن تكون وسيلة لتنوير الناخب، إلى مستنقعٍ أخلاقي يُنفق فيه المال بلا حساب، وتُستباح فيه القيم، ويُشهر فيه الكذب كسلاحٍ مشروع. كل هذا من أجل مقعدٍ برلماني يُمنح لمن يملك القدرة على الصراخ لا من يملك الرؤية.

والأخطر من ذلك، أن هذا الانحدار لا يقتصر على تشويه صورة الانتخابات فحسب، بل يُهدد وحدة المجتمع، ويُقوّض السلم الأهلي، ويزرع الشقاق بين أبناء الشعب الواحد. وكأن البعض قرر أن يُشعل النار في البيت العراقي، غير آبهٍ بأن هذا الوطن الذي يحترق، هو ذات الوطن الذي يسكنه الجميع.

الديمقراطية ليست مجرد صندوق اقتراع، بل هي ثقافة ومسؤولية وأخلاق. لا تُبنى على الشتائم، ولا تزدهر في مناخ الفتنة. والوطني الحقيقي ليس من يُحرّض الجماهير، بل من يصون وحدتهم، ويزرع فيهم الإيمان بأنهم شركاء في هذا الوطن، رغم اختلافاتهم.
الجميع اليوم بأمسّ الحاجة إلى وعيٍ جماعي يُميّز بين التنافس الشريف، والتحريض الممنهج.

بين من يسعى لبناء وطن، ومن لا يرى في السياسة إلا وسيلة لتحقيق الامتيازات.
وهنا، لا يمكننا تجاهل النموذج الإيجابي في إقليم كوردستان، حيث أثبتت التجربة الفدرالية إمكانية بناء ديمقراطية تنافسية دون أن تنحدر إلى مستنقع الكراهية. ففي الإقليم، ورغم التحديات، تُدار العملية الانتخابية بروحٍ أكثر اتزانًا، وتتنافس القوى السياسية ببرامج واضحة، لا بخطابات انفعالية. وهو نموذجٌ جدير بأن يُحتذى به، إذا أردتم للديمقراطية العراقية أن تتنفس من جديد.

لقد آن الأوان أن تعيد للديمقراطية هيبتها، وللوطن اعتباره. أن يرفع الصوت لا من أجل مرشحٍ أو حزب، بل من أجل العراق. أن تصوتوا للعقل لا للغريزة، للبرنامج لا للقبيلة، للمستقبل لا للماضي.

إن صوت الناخب ليس ورقة تُلقى في الصندوق فحسب، بل هو عهدٌ تُبنى عليه الأوطان أو تُهدم. فلتحسن الاختيار، ولتمنح العراق فرصة أن ينهض، لا أن يحترق بنار الدعاية المسمومة.

قد يعجبك ايضا